سوق السيارات المستعملة في إفريقيا «كنز مازال ينتظر الفائز» (2)

.

دكتور مهندس: سمير على, 18 سبتمبر 2022

استعرضنا مع حضراتكم في المقال السابق لنفس السلسلة بعض الحقائق الهامة عن حجم تجارة سوق السيارات المستعملة على مستوى العالم بشكل عام وعلى مستوى الشرق الأوسط بشكل خاص، وأوضحنا أهمية هذه التجارة سواء لشركات صناعة السيارات أو للمستهلك.

وفي هذا المقال نسلط الضوء على هذه التجارة في قارة إفريقيا لأنها أصبحت أكبر سوق لتجارة السيارات المستعملة في العالم، وتعتبر قارة إفريقيا هي "الكنز المدفون" بحق لصناعة السيارات بشكل عام، وخاصة بعد أن أثبتت كل الدراسات أن سوق السيارات المستعملة في إفريقيا على استعداد لمزيد من النمو حيث إن إفريقيا هي أقل منطقة من حيث كثافة السيارات بها على هذا الكوكب مع تسجيل 44 سيارة فقط لكل 1000 نسمة، في حين بلغ المتوسط العالمي 180 مركبة لكل 1000 نسمة، مما يعكس إمكانات النمو الهائلة في سوق السيارات بشكل عام في القارة الأفريقية مستقبلا. وقد تزايد الطلب على السيارات المستعملة في العديد من البلدان الأفريقية بسبب ارتفاع معدلات النمو السكاني بها مع التمتع بأقل نسبة في متوسط الأعمار (وهي مؤشر على زيادة أعداد السكان في عمر الشباب) مقارنة بباقي القارات وزيادة في نسب الطبقة المتوسطة الأفريقية نتيجة لزيادة مستويات الدخل للأفراد كما هو موضح في الرسم البياني التالي:


وفي شرق إفريقيا، يصل أكثر من 96 ٪ من السيارات المستوردة (جديدة ومستعملة) إلى كينيا وجارتها إثيوبيا، إلى جانب سوق نيجيريا التي سوف نتحدث عنه بقليل من التفاصيل لاحقا، هي واحدة من أكبر المناطق استيرادا للسيارات المستعملة على مستوى العالم. ونظرا إلى مستوى الدخل الحالي المحدود نوعا ما، تهيمن السيارات المستوردة المستعملة على سوق السيارات في إثيوبيا - وخاصة المركبات التجارية. وتمثل المركبات التجارية ثاني أكبر واردات لإثيوبيا من حيث القيمة الإجمالية، التي بلغت أكثر من 850 مليون دولار أمريكي. علما بأن ما يقرب من 85 ٪ من السيارات في إثيوبيا عبارة عن واردات مستعملة، منها ما يقرب من 90 ٪ من سيارات تويوتا فقط يتم استيرادها بشكل أساسي من الشرق الأوسط - ومعظمها من خلال دبي.

وفي كل عام، يتم تصدير حوالي 800,000 سيارة مستعملة إلى أكبر عشرة مستوردين في إفريقيا ودول جنوب الصحراء من اليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتصدر اليابان، وحدها السيارات المستعملة إلى 13 دولة أفريقية على الأقل خاصة عبر الإمارات العربية المتحدة. وتنتشر هذه التجارة عبر شرق وجنوب إفريقيا مع وجود قاعدة عملاء كبيرة في كل من كينيا وأوغندا وتنزانيا.

ويعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر مصدر للسيارات المستعملة إلى إفريقيا، حيث يقوم بتصديرها إلى ما لا يقل عن 15 دولة في إفريقيا. وتستحوذ ألمانيا وحدها على أكثر من نصف صادرات السيارات من الاتحاد الأوروبي إلى إفريقيا بنسبة وصلت إلى (53٪).

ومع ذلك فإن غرب إفريقيا تتفوق على بقية مناطق إفريقيا حيث تستورد أكثر من 900,000 سيارة مستعملة سنويا، وهو ما يمثل حوالي 70 ٪ من إجمالي السيارات المستوردة في إفريقيا.

كما تساهم إفريقيا الوسطى في أقل نسبة مساهمة في تجارة السيارات المستعملة وتستورد ما متوسطه 65,000 سيارة سنويًا.

وبغض النظر عن دولة جنوب إفريقيا ودول شمال إفريقيا، تستعد بقية دول القارة لزيادة كبيرة في الطلب على السيارات المستعملة خلال السنوات القادمة حيث تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030 ستتضاعف ملكية السيارات لتصل إلى 90 مليون سيارة مسجلة.

ونظرًا لنقص دعم قطع الغيار وشبكات ما بعد البيع، فإن الأولوية القصوى للأفارقة عند شراء السيارات المستعملة هي مستوى "الموثوقية". وهذا يجعلهم يتجهون بشكل أساسي إلى السيارات اليابانية. على الرغم من أن أوروبا أقرب بكثير إلى إفريقيا وبالتالي، تكون تكلفة شحن السيارات المستعملة منها (أرخص).

ولذلك، عندما يتعلق الأمر بأنواع السيارات، فمن غير المستغرب أن تهيمن (Toyota و VW) على مبيعات السيارة الجديدة والمستعملة في السوق الإفريقية، حيث تستحوذ كلاهما على أكثر من 35٪ من مبيعات السيارات الجديدة والمستعملة. وسوف أستعرض معكم بعضا من أكبر أسواق السيارات المستعملة في إفريقيا على سبيل المثال.

سوق نيجيريا

تعد نيجيريا أكبر سوق للسيارات المستعملة في إفريقيا، وهي أيضًا واحدة من أكثر الأسواق ثراءً في منطقة جنوب الصحراء الكبرى. ويبلغ عدد سكان البلاد أكثر من 140 مليون نسمة مع ما يقرب من 40 مليون نسمة ينتمون حاليًا إلى الطبقة المتوسطة الناشئة بسرعة.

وبينما تزداد مبيعات السيارات الجديدة ببطء في جميع أنحاء البلاد، لا تزال مبيعات السيارات المستعملة أفضل من مبيعات السيارات الجديدة بنسبة بلغت (4 : 1).

وهناك مصادر عديدة للسيارات المستعملة لهذا السوق، ومنها أنه يتم تهريب أعداد كبيرة من السيارات المستعملة إلى نيجيريا من دولتي "بنين وتوجو". حيث يتم استيراد السيارات المستعملة إلى "بنين وتوجو" بشكل قانوني من أوروبا، لكنهم يصدرونها بعد ذلك بشكل غير قانوني إلى نيجيريا. ومن هذه العملية يحقق مستوردي السيارات المستعملة في "بنين وتوجو" أرباحًا جيدة. وعموما فإن معظم السيارات المستوردة إلى توجو وبنين تتجه أخيرًا إلى نيجيريا. يقول تجار السيارات في بنين: "هناك 200 طريق عبر الأدغال للوصول إلى نيجيريا، والحدود مليئة بالثغرات".

ويعود سبب زيادة حجم هذه التجارة الغير مشروعة في السيارات المستعملة إلى ارتفاع رسوم الاستيراد التي تفرضها نيجيريا على السيارات المستعملة. علاوة على ذلك، حظرت نيجيريا استيراد السيارات التي مضى على انتاجها أكثر من 10 سنوات.

ولا تزال واردات السيارات المستعملة والمعروفة محليًا باسم "توكونبو" تزدهر على الرغم من رسوم الاستيراد الحالية التي تصل إلى 70٪. ومن المثير للاهتمام أنه في نفس العام 2015، عندما دخل ارتفاع هذه الرسوم حيز التنفيذ، استورد النيجيريون ما يقرب من أربعة أضعاف السيارات المستعملة مقارنة بالسيارات الجديدة. وبين الربع الرابع من عام 2018 والربع الثالث من عام 2019 وحده، أنفق النيجيريون 1.7 مليار دولار على استيراد السيارات المستعملة، وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء في البلاد.

سوق جنوب افريقيا

لقد حقق نمو مبيعات السيارات المستعملة نموا هائلا في جنوب إفريقيا. حيث استمرت أسعار السيارات المستعملة في جنوب إفريقيا في الارتفاع للربع الثاني عشر على التوالي، وفقًا "لمؤشر أسعار السيارات" الأخير (VPI) الصادر من (TransUnion). ويقيس هذا المؤشر بفعالية معدل التضخم لأسعار السيارات الجديدة والمستعملة من خلال سلة من سيارات الركوب من 15 مصنعًا من أكبر الشركات المصنعة للسيارات، وذلك باستخدام بيانات مبيعات السيارات من جميع أنحاء هذه الصناعة كما هو موضح بالرسم البياني التالي:


وكما نلاحظ في الرسم البياني، ارتفع مؤشر (VPI) للسيارات المستعملة في الدولة من 3.7٪ في الربع الأول من عام 2021 إلى 7.9٪ في نهاية الربع الأول من عام 2022، مما يعني أن السيارات المستعملة أصبحت أغلى ثمناً وبمعدل أسرع. وفي تناقض صارخ، انخفض (VPI) للسيارات الجديدة من 8.8٪ العام الماضي إلى 4٪ حاليا، مما يعني أن أسعار السيارات الجديدة لا تزال ترتفع، ولكن بمعدل أبطأ بكثير من ذي قبل.

وقد ارتفعت نسبة السيارات المستعملة إلى الجديدة في الربع الثاني لهذا العام إلى 2.2 سيارة مستعملة لكل سيارة جديدة - مقارنة بنسبة 2.4 إلى واحدة في نفس الوقت من العام الماضي - ومن المتوقع أن تزداد هذه النسبة في الأرباع القادمة نظرا لقلة عدد السيارات المعروضة بجودة عالية.

الموديلات الأكثر مبيعا

أشارت تقارير (TransUnion) إلى أنه في الربع الأول من عام 2022 كان أكثر من 32٪ من إجمالي السيارات الجديدة والمستعملة التي تم شرائها كانت من طراز "هاتشباك"، في حين أن 20٪ كانت من سيارات الدفع الرباعي. ونشر التقرير أن حوالي نصف السيارات المباعة (48٪) قد تم شرائها من عملاء تتراوح أعمارهم بين 26 و 40 عامًا - مع نسبة أكبر اختاروا السيارات المستعملة.

وظلت "تويوتا وفولكس فاجن" في الصدارة في حصتهما السوقية في كلتا الفئتين الجديدة والمستعملة، بالرغم من أن هيونداي وسوزوكي قد شهدتا أيضًا أداء رائعًا في فئة السيارات الجديدة حيث تمتلكان الآن حصصًا بنسبة 10٪ و 8٪ على التوالي كما هو موضح في الرسم البياني التالي:


التكلفة المميتة والخفية لاستيراد السيارات المستعملة في إفريقيا (أهم التحديات)

أظهر تقرير جديد صادر عن "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" أنه بدون معايير تنظيمية لقياس سلامة وجودة السيارات المستوردة، فإن المشترين في جميع أنحاء القارة يشترون عن غير قصد سيارات لا تتوافق مع متطلبات السلامة والانبعاثات الأوروبية.

ومع احتلال إفريقيا لأكبر عدد من الواردات العالمية السنوية من السيارات المستعملة، فإن القارة بشكل خاص معرضة لخطر تفاقم مشكلة تلوث الهواء بشكل متزايد. وتشير تقديرات الأبحاث الحديثة إلى أن انبعاثات الوقود الأحفوري من محطات الطاقة والمركبات وحدها ستسبب ما يقرب من 50,000 حالة وفاة سنويًا بحلول عام 2030 مع التوقع أن تتضاعف الانبعاثات السنوية من ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2012.

ويشكل تلوث الهواء خطرًا صحيًا كبيرًا عندما تكون هناك مستويات عالية من الجسيمات ذات قطر أقل من 2.5 ميكرومتر. فبهذا الحجم، يمكن أن تتجاوز الجسيمات حواجز الرئة وتدخل في مجرى الدم للإنسان، مما قد يؤدي إلى أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، وفي النهاية الموت المبكر. وتعد انبعاثات السيارات مصدرًا رئيسيًا للمواد الجسيمية في العديد من أكبر مدن إفريقيا.

على الرغم من المخاطر الواضحة المتمثلة في تفاقم الانبعاثات، لا يزال الطلب على السيارات المستعملة مرتفعًا في جميع أنحاء القارة حيث أن التكلفة العالية للسيارات ذات العلامات التجارية تجعلها بعيدة عن متناول الملايين، لا سيما بالنظر إلى النقص الواسع في خيارات تمويل السيارات القائمة على الائتمان. ولذلك قامت شركة (Africa Business Pages) بعمل دليل لمستوردي السيارات في إفريقيا مع التركيز بشكل خاص على مستوردي السيارات المستعملة ويشتمل على قائمة كبيرة لتجار السيارات المستعملة في إفريقيا.

ضرورة رفع المعايير

بالنظر إلى المستويات الحادة والمستمرة للطلب على السيارات المستعملة في جميع أنحاء القارة، فإن الحاجة إلى اعتماد معايير أعلى للسيارات المستوردة أمر بالغ الأهمية. وفي الواقع فإن، 68٪ من 146 دولة شملها تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة ليس لديها معايير انبعاثات لوارداتها من السيارات المستعملة. كما أن معايير استيراد السيارات المستعملة تختلف من دولة لأخرى حتى في الدول المتجاورة. ففي حين أن "أوغندا" لديها حد أقصى لعمر السيارات المستوردة يبلغ 15 عامًا، فإن "رواندا" ليس لديها حدًا لعمر السيارة، في حين يبلغ الحد الأقصى ثماني سنوات في كينيا. ومن ثم، فإن استهلاك الوقود ومستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في كينيا أقل بنسبة 25 ٪ في المتوسط، مقارنة بجيرانها.

 

ويمكن للبلدان الأفريقية أن تتطلع إلى "موريشيوس" كمثال لخفض التلوث حيث لا يمكن استيراد سوى المركبات المستعملة التي لا يزيد عمرها عن ثلاث سنوات. كما أنشأت الدولة "حوافز مالية" للمقيمين الذين يقودون سيارات ذات انبعاثات منخفضة أو معدومة، وتؤدي هذه السياسة إلى نتائج هامة حيث تسجل الدولة "زيادة كبيرة" في واردات السيارات الهجينة والكهربائية المستعملة، وفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

ومع الإحساس بخطورة الأمر، وضعت العديد من البلدان الأفريقية سياسات لدعم أو تنشيط إنتاج السيارات المحلية وتقليل واردات السيارات، ولكن الجداول الزمنية لهذه السياسات تشير إلى أن أي فوائد محتملة لها لا تزال بعيدة المنال. لكن ما يبشر بخير هو أن بعض البلدان الأفريقية اتخذت طريقاً بديلاً لخفض مستويات الانبعاثات. فقد تحركت كل من نيجيريا وبنين وتوجو وغانا وساحل العاج لرفع معايير الجودة للوقود المستورد بعد أن أظهرت العينات المأخوذة من محطات الوقود في ثماني دول أفريقية أن مستويات الكبريت أعلى 150 مرة من الحد الأقصى المسموح به في أوروبا.

وبعد أن استعرضنا مع حضراتكم أهم ملامح وأداء سوق السيارات المستعملة في إفريقيا وهو الكنز الذي مازال يبحث عن المزيد من عمليات التنقيب، مع عرض نبذة بسيطة عن أهم التحديات، يبرز سؤال هام جدا:

ما هي أهم التوقعات عن أداء سوق السيارات مستقبلا في قارة إفريقيا بشكل عام وفي دول شمال إفريقيا ومنها مصر بشكل خاص؟

هذا ما سوف نستعرضه مع حضراتكم في مقال قادم أن شاء الله.

اخبار جوجل تابعوا صفحتنا على أخبار جوجل

الاخبار الرئيسية

مقال رئيس التحرير

الأكثر قراءة