إلى متى ستبقى محركات الاحتراق الداخلي في ظل تحديات صناعة السيارات.. وكيف؟

.

دكتور مهندس: سمير على, 24 يونيو 2022


بعد أن استعرضنا مع حضراتكم في العديد من المقالات السابقة، والمتعلقة بمستقبل صناعة السيارات في ظل الثورات الصناعية والتكنولوجيا الحديثة وتحدياتها التي كان من أهمها ظهور الحاجة الملحة لخفض التلوث والحد من تأثيره على تغير المناخ كأولوية قصوى. ولذلك أوضحنا أن الثورة الصناعية الخامسة ستكون مدفوعة بالاستدامة. لحث الناس إلى التفكير في البيئة والتركيز على عمل المزيد بموارد أقل. لأن مستقبل البشرية سيتوقف بشكل أساسي على قدرة العالم على إعادة التفكير، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، والتجديد، ومشاركة الموارد، وكذلك التعامل مع الموارد الطبيعية على أنها سلع ثمينة.

إلا أن أنشطة الاستدامة تواجه العديد من التحديات القوية جدا ومن أهمها حجم الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا الحديثة والاشتراطات القاسية من الحكومات لخفض التلوث والبنية التحتية بالإضافة إلى عدم الوصول إلى حلول فعالة لمشاكل السيارات الكهربائية بما يكفي لإقناع العملاء بالتحول إليها وترك السيارات التي تعمل بالوقود البترولي. ونظرا لأن محركات الاحتراق الداخلي (ICE) تعتبر من أهم مصادر التلوث البيئي إلا أنها مازالت تحظى بالنسبة الأعلى من اهتمام العملاء وهو ما يمثل التحدي الأقوى لشركات صناعة السيارات خوفا من فقد هذه الشريحة الأكبر من العملاء. ولذلك بدأت الكثير من الشركات في ضخ استثمارات كبيرة للحفاظ على نفس المحركات والوصول إلى نسب انبعاثات تلبي الاشتراطات الدولية مع إرضاء الشريحة الأكبر من العملاء الذين يجدون أن قيادة السيارات ذات محرك الاحتراق الداخلي (ICE) ما زالت أكثر متعة واعتمادية من السيارات الكهربائية.

وكما رأينا في مقالات سابقة أيضا أن علامات الانتقال الوشيك إلى المركبات الكهربائية أصبحت واضحة بالفعل وقد تم شرح أسباب ذلك تفصيلا. حيث أعلنت أكثر من 15 شركة من أكبر شركات صناعة السيارات عن خططها لإنتاج وبيع حصة كبيرة من السيارات الكهربائية حتى عام 2035. علما بأن الناتج الإجمالي لتلك الشركات يمثل أكثر من 75٪ من حجم الإنتاج العالمي للسيارات. علاوة على ذلك، يخطط أكثر من نصفهم للانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية قبل عام 2040. وإذا تحققت هذه الخطط، فقد يشهد إنتاج (ICE) انخفاضًا حادا كما هو موضح بالرسم البياني التالي:


وللوصول إلى هذه النتائج، يخطط الاتحاد الأوروبي لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من السيارات الجديدة إلى الصفر اعتبارًا من عام 2035 فصاعدًا، وهذا ربما يشير إلى نهاية الطريق لمحرك الاحتراق الداخلي. سيتعين على جميع السيارات الجديدة التي تخرج من خط التجميع بعد هذا التاريخ أن تعمل بمحركات كهربائية بالكامل أو محركات هيدروجين أو بوقود صناعي أو وقود حيوي. وتعد هذه الخطة جزءًا من مشروع "Fit for 55" الضخم، والذي اشتق اسمه من هدف الاتحاد الأوروبي لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 55٪ على الأقل بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 1990.

ويعتبر الاتحاد الأوروبي أن فرض عقوبات على شركات صناعة السيارات هو أهم آلية للوصول إلى هذا الهدف. وبموجب هذا النظام، يُسمح للسيارات بإطلاق ما لا يزيد عن 95 جرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر في المتوسط. ومن يتجاوز هذا الحد سيتعرض لغرامة كبيرة.

تدعو المبادرة الثانية إلى تطبيق عقوبات جديدة لمنع ترحيل المشكلة إلى مكان أخر، أي إطلاق الانبعاثات، من دول خارج الاتحاد الأوروبي وهو ما يتم انتاجه من السيارات تحت اسم (مواصفات عامة) أو (General Specs) ويتم تصديرها أو تجميعها في دول العالم الثالث التي لا تطبق المواصفات القياسية على وارداتها من السيارات لأن الانبعاثات الضارة هي مشكلة عابرة للحدود في تأثيراتها الضارة على البيئة والمناخ على مستوى العالم. أصحاب هذه المبادرة يريدون أن يصبح التلوث أكثر تكلفة على الشركات الغير ملتزمة بالمواصفات العالمية للحد من التلوث.

لذلك سوف يتعين على الشركات التي تطلق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الحصول على الحق القانوني للقيام بذلك. وسيتم إصدار ما يسمى ب "حقوق الانبعاث" أو "مخصصات الكربون" في شكل شهادات، كل شهادة تمثل طنًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون المنبعث، وكل ذلك مقابل السعر (الحالي) البالغ حوالي 55 يورو.

أهم العقبات التي تواجه تنفيذ الاتفاقيات

أكبر عقبة تواجه مشروع “Fit for 55"، ومنها الحظر الشامل على بيع السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري بحلول عام 2035، هي حقيقة أن هذا المشروع لا يزال خطة تحتاج إلى كثير من التفاصيل. فلا تزال هناك عملية تشريعية كاملة قادمة له، حيث يجب على كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي الموافقة عليه. ومن المؤكد أنه سيواجه مقاومة شرسة من بعض البلدان بسبب بعض العقبات الرئيسية التي يجب التعامل معها ومن أهمها:

اختلاف الأطر الزمنية المناسبة لكل دولة في فرض حظر على بيع السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي.

السيارات المستعملة: فقد أجمع الخبراء على أن حظر جميع سيارات (ICE) الموجودة بالفعل على الطريق اعتبارًا من عام 2035 فصاعدًا هو أمر غير واقعي تمامًا نظرا لصعوبة وضع حد لتجارة السيارات المستعملة أو التخلص منها.

ردود أفعال الدول المنتجة للبترول ولوبي الشركات المنتجة له لأن هذه الاتفاقيات سوف يكون لها أثار مدمرة على اقتصاداتها.

عدم إمكانية فرض نفس القيود على دول العالم الثالث وخاصة الفقيرة منها بالرغم من أن أثار التلوث البيئي عابرة للحدود وليست محلية كما أسلفنا.

عدم الوصول إلى حلول فعالة لمشاكل السيارات الكهربائية التي ذكرناها تفصيلا في مقالات سابقة بما يكفي لإقناع العملاء بالتحول إليها وترك السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.

وبسبب كل هذه التحديات أجمع الخبراء على أنه إذا أرادت دول العالم الوصول إلى نتائج واقعية وإيجابية فلابد من التحرك في "مسار موازي". هذا المسار الموازي يجب أن يصل في نهاية المطاف إلى إجابة عملية عن الأسئلة التالية:

هل يمكن لمحركات الاحتراق الداخلي البقاء على قيد الحياة في ظل تحديات صناعة السيارات؟ وكيف؟

وهل يمكن للتكنولوجيا المتقدمة أن تحافظ على هذه المحركات لكي تبقى لفترة أطول؟

إن القضية الرئيسية هي "الوقود الأحفوري" الذي تعمل به محركات (ICE). لذلك يجري البحث في مسار موازي عن تحسين الانبعاثات من الوقود الحالي أو إيجاد أنواع أخرى من الوقود البديل لتقليل البصمة الكربونية وتقليل الانبعاثات إلى ما يقرب من الصفر. وهناك بالفعل الكثير من الأبحاث من أجل الحصول على سيارات أنظف. وتحت شعار "الكربون هو عدونا وليس محرك الاحتراق الداخلي" وعلى مدى قرن ونصف من البحث والتطوير لزيادة كفاءة محركات (ICE) مع خفض الانبعاثات بشكل كبير تجري الأبحاث الحديثة في اتجاهين رئيسيين وهما:

أولا: تحسين أداء وكفاءة المحركات الحالية ومنها:

زيادة نسبة الانضغاط بمحرك البنزين

إن القدرة على تصميم محرك يعمل بنسبة انضغاط تصل إلى (15: 1) أو أعلى يعمل على تحسين كفاءته الديناميكية الحرارية وكثافة الطاقة بشكل كبير، مما يسمح بتقليص حجم المحرك بشكل أكبر. لكن هذا يتطلب وقودًا عالي الأوكتان، ويمثل رقم الأوكتان البحثي (RON) البالغ 98 نقطة مثالية، لكن إذا أردنا انتاج قيمة أعلى فسوف يستهلك إنتاج / تكرير الوقود مزيدًا من الطاقة، مما يقلل من فائدة الطاقة / ثاني أكسيد الكربون.

النظام الذكي لتعطيل أسطوانات المحرك حسب الطاقة المطلوبة

يعمل إلغاء تنشيط أسطوانات المحرك على تحسين الكفاءة أثناء ظروف القيادة المختلفة عن طريق تعطيل بعض الأسطوانات عن العمل أثناء القيادة بما يتناسب مع الأحمال ومتطلبات القيادة المختلفة وهو ما يؤدى إلى التوفير في استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 12٪ تقريبًا في محركات البنزين في حين حققت أنظمة مماثلة لمحركات الديزل في المسافات الطويلة، مردود أقل من استهلاك الوقود (1.5-4.0 ٪) والذي حقق أرباحًا ضخمة من هذه السيارات.

تطوير أنظمة الشاحن التوربيني والشاحن الفائق (Turbo & Super Chargers)

إن قوة المحرك مرتبطة بكمية الهواء التي يمكن أن يستوعبها، ولهذا السبب تم تطوير الشواحن الفائقة والشواحن التوربينية التي تكلمنا عنها تفصيلا في مقال سابق. كما أن الشواحن الكهربائية الفائقة التي تستخدم الطاقة المستعادة توفر الطاقة للمحركات. وهناك نوعان مثيران للاهتمام من الشواحن الفائقة، وهما شاحن الطرد المركزي   (Torotrak V-Charge)، والذي يعمل بتكنولوجيا حديثة للاستجابة إلى متطلبات الأداء بسرعة، وشاحن (Lysholm) من نوع  (Hansen Engine Corp) والذي يتميز بنافذة تفتح أو تغلق لتلائم الطلب على الهواء المضغوط مع تقليل الخسائر لتحقيق كفاءة أعلى واستجابة فائقة الشحن.

أنظمة الإشعال المتطورة

نظرًا لأن الوقود يستغرق وقتًا ليحترق، فإن شمعات الإشعال التقليدية تطلق الشرارة عندما يتحرك المكبس بالفعل لأعلى، مما يجعل الاحتراق الأولي يؤدي إلى نتائج عكسية. وقد قامت شركة "فورد" بتطوير نظام إشعال يعمل بأشعة ليزر قريبة من الأشعة تحت الحمراء لإشعال نقاط متعددة في غرفة الاحتراق في وقت واحد، لكن لا تزال هناك مشكلة في التكلفة والموثوقية. حيث يتم استبدال شمعة الاحتراق بحقن صفائح من البلازما منخفضة الحرارة التي تقوم بإشعال الخليط بسرعة وبرودة لتوفير استهلاك الوقود بنسبة 10-15٪ وتقليل أكاسيد النيتروجين بشكل كبير.

ثانيا: ابتكار أنواع جديدة كليا من الوقود ومنها:

الجمع بين الأرجون والهيدروجين

إذا وضعت الهواء تحت ضغط مرتفع، فسوف تحدث به موجات اهتزازية. هذا يسبب أن الطاقة لا تذهب مباشرة إلى المكبس عندما يشتعل الوقود. وقد وجد الباحثون أن هذا لا يحدث مع غاز الأرجون، لذلك تذهب كل الطاقة من الوقود إلى المكبس بشكل مباشر أكثر. وهذا يجعل المحرك أكثر كفاءة. كما يمكن أيضًا إعادة تدوير غاز العادم. حيث يقوم المكثف بتبريده إلى أقل من 100 درجة مئوية، بحيث يختفي الماء ويمكن إعادة غاز الأرجون إلى المحرك مرة أخرى. وهذه الدائرة المغلقة ليست فعالة فحسب، بل نظيفة أيضًا.

يتمثل التحدي الذي يواجه هذه الفكرة في معرفة الترتيب والتوقيت الذي يجب أن يتم حقن الوقود تحت ضغط غاز الأرجون والهيدروجين والهواء للحصول على أفضل نتائج. فإذا تم الاشتعال باكرا يمكن أن يتلف المحرك وإذا تم بعد فوات الأوان، فقد ذهب الضغط الأمثل بالفعل وستفقد الكفاءة.

ابتكار أنواع من الوقود جديدة كليا

وكما ذكرنا في مقالات سابقة أن التطور في محركات الاحتراق الداخلي لا يأتي في الأنظمة الالكترونية والكهربائية فقط، بل في اتجاهات متعددة مثل ابتكار أنواع جديدة من الوقود صديقة للبيئة، على غرار ما قامت به شركة (UPM Biochemicals) التي طورت بالفعل أنواعًا من الوقود الحيوي تنتج انبعاثات أقل بنسبة 80٪ تقريبًا من وقود الديزل الحالي. كما استطاعت شركة "مازدا" اليابانية للسيارات أن تنتج وقود حيوي من الطحالب البحرية يجري العمل حاليا على كيفية انتاجه بحجم اقتصادي.

خلاصة القول

يعتقد الباحثون أنه مازال هناك مستقبلًا لمحرك الاحتراق الداخلي، وهذا المستقبل قد يطول للأسباب والتحديات التي ذكرنا بعضا منها في بداية هذا المقال. وبالرغم من أن جميع شركات صناعة السيارات تقريبا قد بدأت في التخلي عن محرك الاحتراق الداخلي خاصة في وسائل النقل الخفيفة، مثل سيارات الركاب والشاحنات الصغيرة والتي ستكون جميعها كهربائية في المستقبل. لكن مازالت المحركات الكهربائية غير مناسبة للرحلات الطويلة أو للشاحنات الثقيلة، لذلك سيتم إبقاء محركات الاحتراق الداخلي بها. ويبقى السؤال الأهم: هل ستقف الدول التي يعتمد اقتصادها على انتاج البترول وقوف المتفرج بينما ينسحب البساط الاقتصادي من تحت قدميها؟

اخبار جوجل تابعوا صفحتنا على أخبار جوجل

الاخبار الرئيسية

مقال رئيس التحرير

الأكثر قراءة