حدثت مجموعة من التطورات الجديدة التي غيرت طريقة تفكيرنا حول أداء أسواق السيارات في العالم أثناء وبعد جائحة كورونا. ولذلك كان من الواجب معرفة تفاصيل هذه التغييرات خاصة في سلوك وأولويات العملاء حتى يمكن أخذها في الحسبان وإعادة ترتيب قواعد استراتيجيات العمل في سوق السيارات فورا سواء قصيرة أو متوسطة المدى.
ولتحقيق أفضل استفادة لأصحاب القرار في شركات السيارات الذين يخططون لبقاء شركاتهم في المقدمة خلال المنافسة الشرسة والتحديات الشديدة، سوف أقوم في هذه المقالة بعرض خلاصة بعض الإحصائيات والأبحاث التي قامت بإجرائها العديد من الشركات المتخصصة في هذا المجال مثل (McKinsey) و (Moody’s ING) و (GlobalData) و (HIS Markits) و (PWC). من خلال عمل استبيانات ودراسات تفصيلية في الأسواق العالمية الكبرى التي تمثل المحرك الرئيسي لصناعة السيارات لمعرفة تفاصيل هذه المتغيرات ومدى تأثيرها على أداء أسواق السيارات خلال الأعوام القليلة القادمة والتي سنقوم بعرض أهمها كما يلي:
1- تعافى سوق السيارات بشكل سريع بالرغم من عدم وضوح نهاية محددة لجائحة (COVID – 19).
في عام 2020، حدث إرباك شديد في سوق السيارات نتيجة حالة التشاؤم المبكرة للأسباب التي استعرضتها مع حضراتكم في مقال سابق تم نشره تحت عنوان (أزمة كوفيد – 19 وصناعة السيارات في العالم) في نفس الموقع بتاريخ 12 يناير 2021، مما أدى إلى حدوث انكماش إجمالي حتى نهاية العام بنسبة وصلت إلى 14.8%. على الرغم من أنه ليس ضخما مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن أداء السوق أخذ مسارا إيجابيًا خلال عام 2021 حيث ارتفع إجمالي المبيعات بنسبة 3.2% مقارنة بعام 2020 ومع ذلك مازال أقل من مبيعات عام 2019 بنسبة 12%. كما هو موضح في الرسم البياني التالي:
2- يتراجع الولاء للعلامة التجارية مع اشتداد المنافسة
أدى دخول علامات تجارية جديدة للسيارات إلى الأسواق المختلفة خاصة من الصين إلى زيادة المنافسة وخاصة أن معظم هذه العلامات التجارية الجديدة قد استخدمت أحدث التقنيات الحديثة في سياراتها لإبهار العملاء. وهو ما يساعدها على إزاحة المنافسين المتحفظين في استخدام نفس التقنيات وحصولها على حصة قياسية في السوق حتى مع تقديم المنافسين مستوى أعلى من الجودة.
يعتبر الولاء للعلامة التجارية أقوى بين المستهلكين في قطاع السيارات الفارهة عالية الأسعار، بينما يبدو المستهلكون أقل ولاء في السيارات منخفضة السعر. وبالرغم من أن العلامات التجارية الكبرى لا تزال تهيمن على سوق السيارات الفارهة، لكنها فقدت ريادتها في سوق السيارات الغير فارهة والتي تمثل أحجام مبيعات أكبر وبالتالي سبب ضغطا هائلا على أرباح هذه الشركات.
3- يتناسب الولاء مع الأسعار خاصة عندما يكون السوق متقلب
انخفض ولاء المستهلكين للعلامة التجارية إجمالا في عام 2021 مما كان عليه في عام 2019 كما هو موضح في الرسم البياني التالي. ومن المثير للاهتمام، أن ولاء مالكي السيارات للعلامة التجارية المختلفة يرتفع مع ارتفاع سعر السيارة.
4- مجموعة الاعتبارات الأولية للعميل (ICS) لها تأثير كبير في اتخاذ قرار الشراء
عادة ما يضع المستهلكون مجموعة اعتبارات أولية (ICS) بحيث يتكون لدى كل منهم تصور محدد في ذاكرته لمواصفات المنتج الذي يريد شراءه. هذه الاعتبارات تتكون عادة من عدة مصادر مختلفة ومن أهمها البحث في منصات وسائل التواصل الاجتماعي ومن نصائح الأصدقاء والمقربين أو من تجارب سابقة مع علامات تجارية بعينها. وعادة يقوم العميل باستدعاء مجموعة الاعتبارات المتكونة لديه عندما يبدأ في التفكير في شراء سيارة وهو ما يجعل المقارنة تنحصر في النهاية بين علامتين أو ثلاث علامات تجارية، ويتقلص هذا العدد أكثر بمجرد معرفة المزيد عن تفاصيل المنتجات. وسوف نستعرض المزيد من التفاصيل عن هذه الاعتبارات لاحقا.
وقد وجدت الأبحاث أن حوالي 50% من المبيعات النهائية يكون مصدرها مجموعة الاعتبارات الأولية (ICS) للعملاء عن المنتج ولذلك يجب على شركات السيارات التي تريد تحقيق انتشار أفضل أن يكون لديها استراتيجية فعالة لاختراق مجموعة الاعتبارات الأولية للعملاء المستهدفين لها بشكل استباقي.
ولكن يبدو أن زيادة انتشار منصات وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت على اختيار المستهلك لشراء سيارة من داخل مجموعة الاعتبارات الخاصة به (ICS) حيث أظهرت الدراسة انخفاض نسبة العملاء الذين قاموا بالشراء من خلال مجموعة الاعتبارات الخاصة من 62% عام 2019 إلى 47% في عام 2021 كما في الرسم البياني المقابل:
وقد يكون هذا الانخفاض بسبب المنافسة الشديدة بين شركات السيارات. ومع ذلك، حتى وسط هذا الانخفاض، اختار ما يقرب من نصف المستهلكين في نهاية المطاف شراء السيارات التي كانت ضمن مجموعة الاعتبارات الخاصة بهم. وهذه نقطة حرجة لا ينبغي على شركات السيارات التغاضي عنها. إذا أرادت إضافة المزيد من التعزيز إلى قيمة علامتها التجارية.
5- تتفاوت أولويات مجموعة الاعتبارات الأولية لدى العملاء باختلاف الأسواق وحتى باختلاف بلد المنشأ للسيارات
لمعرفة أهم مكونات مجموعة الاعتبارات الأولية لدى العملاء، تم اختيار ثماني مواصفات رئيسية للسيارة وطلب من المشاركين في الاستطلاع تسمية أي علامة تجارية يعتقدون أنها تمتلك واحدة أو أكثر من هذه السمات. أظهر البحث أن مالكي السيارات الفارهة يركزون على سمات مختلفة عن عملاء السيارات الغير فارهة. كما أظهر البحث نتائج خطيرة حيث أن بعض العلامات التجارية لدول معينة لا أريد تسميتها في هذا المقال حفاظا على سمعتها لم تحصل على أي انطباعات إيجابية إلا داخل دولة المنشأ. في حين تبين أن بعض العلامات التجارية اليابانية تفوقت في الانطباعات الإيجابية خاصة في مستوى السلامة والأداء.
وبالرغم من وجود اختلافات جوهرية في أولويات مجموعة الاعتبارات الأولية بين عملاء السيارات الفارهة والغير فارهة إلا أنه من الواضح أن هناك عوامل مشتركة اتفق عليها الفريقان وحصلت على نفس مستوى الاهتمام مثل الراحة والأمان كما هو موضح الرسم البياني السابق والتالي:
ومن أهم نتائج الأبحاث في هذا الصدد أن شركات صناعة السيارات وموزعيها المعتمدون في الأسواق المختلفة الذين لديهم القدرة على تحديد أولويات العملاء المستهدفون بدقة أكبر في منتج محدد سيكون لديهم أفضل فرصة للفوز بحصة أكبر للمبيعات في السوق. ولذلك يجب أن يكون لديهم فريق العمل المؤهل لبناء استراتيجية فعالة يمكن من خلالها إنشاء صورة ممتازة للعلامة التجارية والترويج لها مع التركيز على كيفية إعادة تشكيل وعي العملاء المستهدفين وصياغة عوامل مجموعة الاعتبارات الأولية (ICS) لهم.
ولكن سيكون أهم تحدي لتفعيل الاستراتيجية الجديدة هو عدم دقة بيانات العملاء سواء كانت مغلوطة أو ناقصة من الأساس أو اختلاف البيانات على منصات التواصل عن البيانات الموجودة للعملاء في سجلات الموزع الرئيسي للعلامة التجارية.
ولذلك يجب أن تقوم إدارة التسويق لدى شركات السيارات بعمل حملة خاصة لتصحيح بيانات العملاء واستكمالها بشكل كامل مستغلين نتيجة مهمة جدا للأبحاث وهي أن نسبة كبيرة من العملاء من (25 – 40 %) يفضلون التعامل مع الشركة الأم أو الموزع الرئيسي لها بشكل مباشر طوال رحلة الشراء وما بعدها، لكن للأسف وجدت الأبحاث أيضا أن معظم الشركات ليست مستعدة جيدًا لهذه التفاعلات مع العملاء.
وجاءت نتيجة الأبحاث أن معظم شركات صناعة السيارات أو وكلائها يفشلون غالبا في تزويد المستهلكين بالردود على تساؤلاتهم في الوقت المناسب وبما يلبي توقعاتهم، مما يصنع فجوة بين توقعات العملاء واتخاذ قرار الشراء. وهذا يؤثر سلبا على المبيعات المباشرة للشركات. ولذلك يجب أن يكون سد هذه الفجوة أحد الأولويات الرئيسية لشركات السيارات.
6- استخدام وسائل التواصل والتطبيقات الحديثة على الإنترنت لتعزيز تقارب العملاء مع العلامة التجارية
أصبحت قنوات التواصل عبر الإنترنت مصدر المعلومات الأساسي في جميع الجوانب، حيث ينمو استخدام القنوات عبر الإنترنت غير الرأسية بشكل أسرع كما هو موضح بالرسم البياني التالي.
وهو ما يفرض على شركات السيارات ما يلي:
بناء إستراتيجية شاملة لزيادة نقاط الاتصال لتحسين قدرتهم على الوصول إلى العملاء المستهدفين بشكل فعال وسريع.
تطوير التسويق متعدد القنوات حيث توفر التطبيقات الحديثة أيضًا فرصة لجمع البيانات عن أراء العملاء في وسائل التقنية الحديثة التي يرغبون بها في سياراتهم وهو ما يحسن الولاء للعلامات التجارية.
7- إضافة وتجربة المزيد من أنظمة التكنولوجيا المبتكرة في السيارات
أصبح العديد من العملاء وبخاصة الشباب ينظرون بشكل متزايد إلى السيارات الحديثة على أنها "هواتف ذكية على عجلات"، وذلك بدأت العديد من شركات السيارات بتوفير خدمات التواصل مع السيارة من خلال تطبيقات تكنولوجيا (Over-The-Air) أو ما يعرف اختصارا بخدمة الاتصال عبر الهواء (OTA) وهي نفس التقنية المستخدمة في الهواتف المحمولة الحديثة. بالإضافة إلى استمرار التطوير في الأنظمة المتقدمة لمساعدة قائد السيارة وهي ما يعرف اختصارا (ADAS) والتي تحدثنا عنها تفصيلا في مقالات سابقة تم نشرها في نفس الموقع. وهذه الأنظمة الحديثة يمكن أن تكون مصادر جديدة لإيرادات شركات السيارات.
ففي استطلاع عن "الذكاء الرقمي" الذي أجرته شركة (PWC) في عام 2020، أفاد 84% من أصحاب القرار في قطاع السيارات على مستوى العالم أنه بدون توجّه الشركات بقوة نحو التحول إلى مؤسسة رقمية بالكامل، فسوف يتأثر نمو إيراداتها وأرباحها سلبا بشكل كبير.
لذلك تحتاج شركات السيارات إلى العمل من أجل تواجد أنظمة متعدد القنوات للتواصل مع العملاء من خلال ربط العملاء والموزعين المعتمدين والمبيعات وخدمات ما بعد البيع والتسويق والإنتاج والموردين عبر نقاط الاتصال المادية والرقمية لضمان ربحية أعلى وخدمة مميزة للعملاء وبالتالي ولاء أفضل.
8- عزز الوباء أفضلية امتلاك السيارات الخاصة باعتبارها الحل الأكثر أمانًا للتنقل.
لقد غيرت جائحة (COVID-19) خيارات الناس حول التنقل بشكل ملحوظ. فقد أظهر استطلاع لشركة (McKinsey) أن "الراحة" لا تزال هي السبب الرئيسي لشراء سيارة، ولكن جاءت أهمية "السلامة" في مرتبة أعلى من ذي قبل. حيث رأى 57% من المشاركين في استطلاع 2021 أن السلامة ميزة مهمة، مقابل 48% في عام 2019. وعند الدخول في التفاصيل، قال أكثر من "ثلث العملاء" إن امتلاك سيارة خاصة يساعد على حمايتهم من مخاطر الصحة العامة، مثل الأمراض المعدية والأوبئة كما هو موضح في الرسم لبياني التالي:
وهذه فرصة عظيمة لزيادة مبيعات السيارات الخاصة إذا قامت شركات السيارات باستغلالها بشكل أفضل.
كما أظهرت الدراسات والأبحاث عدد أخر من التغييرات التي حدثت خلال الجائحة ولكني لم أذكرها في هذا المقال لأنها لا تتوافق مع سلوك أو اهتمامات عملاء السيارات في السوق المصري.
وخلاصة القول، تظهر جميع الدراسات أن القنوات الرقمية تلعب دورًا متزايد الأهمية في صنع القرار لدى المستهلكين. ولذلك تحتاج شركات السيارات إلى إعادة ترتيب أولوياتها كما يلي:
تحسين متواصل في نقاط الاتصال الرقمية والترويج لقنواتها الرقمية أثناء إنشاء الأنظمة لإدارة العمليات عبر الإنترنت حيث أن هناك رغبة قوية بين العملاء للحصول على تجربة رقمية بالكامل منذ اتخاذ قرار شراء السيارة الجديدة وخلال مرحلة خدمات ما بعد البيع.
عمل دراسات للسوق بشكل دوري التعرف على التغيرات في سلوك المستهلك واهتماماته وتحديد شرائح العملاء المحتملين ومن الضروري جدا مشاركة نتائج هذه الدراسات مع شركة السيارات التي يمثلونها ومناقشتها معهم لتنفيذ أكبر قدر منها.
تحديث مستمر لبيانات العملاء مع التأكد من تطابق هذه البيانات في كل الملفات سواء في سجلات الشركة أو الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
عمل استبيانات بشكل دوري خاصة قبل عامين أو ثلاثة على الأقل من ظهور موديل جديد لمعرفة رأي العملاء في أهم الأنظمة التكنولوجية الحديثة التي يرغبون في وجودها في سياراتهم والاهتمام بتزويد الموديلات الجديدة بأقصى عدد ممكن من هذه الأنظمة الحديثة. حيث أظهرت الدراسات أن شريحة كبيرة من العملاء مستعدون لدفع "ثمن أعلى" من أجل الحصول على هذه التكنولوجيا إذا جاءت من الشركة المصنعة للسيارة. فعلى سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أن 62% من العملاء الذين شملهم البحث على استعداد لدفع ثمن خدمة (OTA). مع دراسة إمكانية إضافة مثل هذه الأنظمة كمنتج "اختياري" للموديلات السابقة.
وأخيرا، كما يعلم كل أصحاب القرار في شركات السيارات فقد كانت إضافة العديد من الأنظمة الحديثة ووسائل السلامة والرفاهية في السيارات الصينية وبتكلفة قليلة هي أهم أسباب انتشار هذه السيارات واستحواذها على نسبة كبيرة من أسواق السيارات حول العالم مما جعل الصين تصبح صاحبة أعلى حجم مبيعات وأعلى معدل نمو لإنتاج للسيارات على مستوى العالم وصل إلى ما يزيد عن 25.700 مليون سيارة في عام 2021 وهو ما يمثل أكثر من 28% من إجمالي انتاج السيارات على مستوى العالم وهذا الحجم يفوق إجمالي ما أنتجته كل من الولايات المتحدة واليابان و ألمانيا مجتمعين.
ولذلك فإن تتبع مثل هذه التحولات في اختيارات المستهلك وتصميم منتجاتهم وفقًا لذلك سيمثل الخط الفاصل بين البقاء أو الفناء بالنسبة لجميع الشركات.