نظرة علي المستقبل القريب لصناعة السيارات حتي 2025


لقد غيرت جائحة كورونا كثيرًا في تطور جميع الصناعات بما في ذلك صناعة السيارات. وكما ذكرنا في المقالات السابقة بأن صناعة السيارات لها تأثير كبير ومباشر على الاقتصاد العالمي لأنها من الصناعات ذات العمالة الكثيفة. على سبيل المثال، فإنها توفر فرص عمل لحوالي 14 مليون شخص في دول الاتحاد الأوروبي، و8 ملايين وظيفة في الولايات المتحدة ، و5 ملايين في الصين، وكما أنها بمثابة «جسر» بين الموردين والمصنعين، ثم بين المصنعين والعملاء. لدرجة أن خبراء الاقتصاد يعتبرون حجم ونوعية السيارات المباعة في أي دولة هي المؤشر الرئيسي على مدى قوة أو ضعف اقتصاد الدولة. وحتى نستطيع أن نحدد توقعات أقرب ما تكون للواقع الفعلي لسوق السيارات العالمي على المستوى القريب حتى عام 2025، لابد من عمل الآتي:

 

1. دراسة النتائج الفعلية لمبيعات السيارات خلال عامي 2020 و2021 مقارنة بنتائج عام 2019.


2. دراسة التأثيرات السلبية لبعض التحديات الجديدة لصناعة السيارات التي يتم اضافتها للتحديات الأخرى الناتجة عن الاتجاهات الحديثة في صناعة السيارات والمعروفة اختصارا (ACES) (القيادة المستقلة، والاتصالات، والكهرباء، والتنقل المشترك) التي أحدثت تغيير جذري في صناعة السيارات كما ذكرنا في مقالة سابقة بعنوان «كيف تستعد شركات السيارات للتحديات حتى عام 2030».
ولمعرفة حقيقة الموقف الحالي، يقول البروفيسور (Ferdinand Dudenhoeffer) مدير المركز الألماني لأبحاث السيارات: سيحتاج سوق السيارات في أوروبا إلى حوالي 10 سنوات للوصول إلى حجم مبيعات عام 2019 مرة أخرى.


في الوقت نفسه، وبينما يعاني العالم بأسره من خسائر فادحة بسبب عمليات الإغلاق، تطورت صناعة السيارات الصينية بشكل مثمرجدا. ووفقًا لمصادر متعددة، ستكون الصين رائدة في صناعة السيارات للسنوات القادمة. فمثلا، تنتج الصين 48.9 سيارة كل دقيقة بينما تصنع تويوتا 20 سيارة في الدقيقة الواحدة.

 

وأفضل دليل على ذلك مما نراه في الرسم البياني التالي الذي يوضح عدد السيارات التي تنتجها كل دولة في كل دقيقة.



وهذا يشير بوضوح إلى أن الصين في طريقها إلى المقدمة. وقد أوضح تقرير للجمعية الصينية لمصنعي السيارات، إلى أنه من المتوقع أن تزيد مبيعاتهم من السيارات الكهربائيةإلى 400 ألف سيارة بنهاية عام 2021.


وفي ظل كفاح شركات السيارات للتغلب على الآثار السلبيةلجائحة كوروناواستعادة الإنتاج والمبيعات والتنافس على الريادة العالمية، لاح في الأفق تحديان آخران هما الأقوى في تاريخ صناعة السيارات وهما:

 

أولا: الصفقة الأوروبية الخضراء:


وفقًا لمواصفات انبعاثات الكربون الحالية أصبحت لوائح الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون أكثر صرامة.حيث يجب أن يكون متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من سيارات الركاب والشاحنات الصغيرة المسجلة في الاتحاد الأوروبي أقل بنسبة 37.5٪ في عام 2030، مقارنة بحدود عام 2021 (95 جم من ثاني أكسيد الكربون / كم). وأما بالنسبة للشاحنات الجديدة، سيكون هدف التخفيض هو 31٪ بحلول عام 2030 (مقارنة بـ 147 جرامًا من ثاني أكسيد الكربون / كم في عام 2021).وعلى الرغم من أن صناعة السيارات التي تعمل بالكهرباء في تصاعد مستمر، فإن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ستستمر في الارتفاع حتى عام 2033.


ولذلك وضعت المفوضية الأوربية خارطة طريق لتعديل معايير أداء انبعاثات الكربون من خلال سباق تكنولوجيا "التقاط الكربون" مع تخصيص حوافز هائلة من خلال برنامج: "حافظ على البيئة واحصل على 100 مليون دولار من (XPRIZE)"المقدمة من (Elon Musk) وهو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة (Tesla) والعديد من الشركات الأخرى مثل (Space X، Neural ink, The Boring Co.).


إنها أكبر جائزة تحفيزية في التاريخ تهدف إلى مواجهة التحدي الأكبر للإنسانية - وقف تغير المناخ. وللقيام بذلك، يتعين على الشركات الصناعية إزالة 6 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياحتى عام 2030، للمساعدة على إيقاف ارتفاع درجة حرارة الأرض التي تتزايد يومًا بعد يوم.ويهدف هذا إلى تحفيز وتسريع إنتاج واستخدام السيارات منخفضة الانبعاثات وعديمة الانبعاثات.
وبالرغم من وجود حوالي 12 مليون سيارة ركاب كهربائية، ومليون سيارة كهربائية تجارية، وأكثر من 260 مليون دراجة كهربائية ثنائية وثلاثية العجلات على الطريق حول العالم اليوم.إلا أن العديد من شركات السيارات خصصت استثمارات ضخمة لتحقيق الأهداف الصارمة في خفض المزيد من انبعاثات الكربون ، وذلك من خلال العديد من الابتكارات الجديدة تماما ويمكن أن نتحدث عن أهم هذه الابتكارات في مقالة قادمة أن شاء الله.


ثانيا: النقص الحاد في الرقائق الالكترونية (أشباه الموصلات) (Chips):


ويمكن تسمية هذا التحدي بأنه "كابوس" صناعة السيارات الحالي، وعلى الرغم من أن هذا التحدي هو أحد الأثار السلبية للوباء إلا أن نتائجه يمكن أن تكون أسوء كثيرا من باقي تحديات الوباء.
فوفقًا لتقرير أعدته شركة الاستشارات (AlixPartners)، سيكلف نقص أشباه الموصلات صناعة السيارات الكثير من الخسائر. حيث تضاعفت الخسائرالمقدرة منذ مايو الماضي من 110 مليار دولار إلى 210 مليار دولار. ومن المتوقع ألا يصل حجم انتاج السيارات عالميا إلى 7.7 مليون وحدة كما كان متوقعا بنهاية عام 2021، بالرغم من وصوله إلى 3.9 مليون سيارة في نهاية مايو 2021وذلك نتيجة لتوقف العديد من خطوط انتاج السيارات كليا أو جزئيا.بالطبع، لا يعود كل هذا الانخفاض في الإنتاج إلى النقص العالمي في الرقائق فقط ولكنه السبب الرئيسي.
ومن المعروف أن بعض دول آسيا هي التي تهيمن على صناعة وتكنولوجيا أشباه الموصلات ومن أهمها شركة (TSMC) في تايوان، وشركة (Samsung) الكورية الجنوبية، بالإضافة إلى إحدى الشركات في ماليزيا وبالطبع دخلت الصين مؤخرا بقوة في هذا المجال.


ويفيد الخبراء بأن النقص العالمي في الرقائق الإلكترونية قد تضاعف بالنسبة لشركات صناعة السيارات لأنهم يميلون إلى استخدام الرقائق اللازمة لوحدات التحكم الدقيقة في المركبات (MCUs) ، التي يتم انتاجها بواسطة عمليات التصنيع القديمة لخفض التكاليف. في حين تستثمر شركات صناعة الرقائق في أصناف عالية التقنية  والإيرادات باستخدام عمليات انتاج أحدث . فعلى سبيل المثال، لا تمثل صناعة السيارات سوى 4٪فقط من الإيرادات الربع سنوية لشركة  (TSMC) ، بينما تمثل الرقائق عالية التقنية الخاصة بالهواتف الذكية مثل (Apple) حوالي نصف إيراداتها . وتوقعت الشركة أن تظل إمدادات أشباه  الموصلات مقيدة حتى عام 2023.


ولذلك أجمع الخبراء على أن صناعة الهواتف الذكية هي السبب الرئيسي للعجز في صناعة الرقائق المطلوبة لصناعة السيارات. فعلى الرغم من بعض الظروف غير المواتية، بما في ذلك الأزمة الصحية العالمية المستمرة ونقص أشباه الموصلات، يستمر الارتفاع في مبيعات الهواتف الذكية كما جاء في تقرير لشركة الأبحاث التكنولوجية (Gartner)، حيث بلغ إجمالي مبيعات الهواتف الذكية العالمية ما يقرب من 329  مليون وحدة في الربع الثاني من عام 2021 ، بزيادة قدرها 10.8٪على أساس سنوي. ومن المقرر أن تستمر المبيعات في النمو بشكل أفضل.
وللعلم فإن مشكلة العجز في الرقائق الإلكترونية ليست سوى واحدة من العديد من الاضطرابات غير العادية التي تواجهها صناعة السيارات، ولكن هناك المزيد منها يلوح في الأفق مثل نقص الراتنج والصلب إلى نقص العمالة الماهرة. ولذلك فلم يعد هناك مجال للخطأ بالنسبة لشركات صناعة السيارات والموردين لها في الوقت الحالي.


وبناء على ما سبق من معلومات يمكن أن نصل إلى التوقعات الآتية على المدى القريب حتى 2025 وباختصار شديد كما هو



موضح في الرسم البياني التالي وطبقا لدراسة أعدتها (Bloomberg NEF):

 

• أصبحت النظرة المستقبلية لاعتماد السيارات الكهربائية أكثر إشراقًا، نظرًا للمزيد من الدعم السياسي ، مع تحقيق المزيد من التحسينات في كفاءة البطارية وتكلفتها، والتوسع في البنية التحتية للشحن،بالإضافة إلى الالتزامات المتزايدة من شركات صناعة السيارات. ولذلك من المتوقع أن تزداد مبيعات السيارات الكهربائية بشكل حاد في السنوات القليلة المقبلة،بحيث ترتفع من 3.1 مليون سيارة في عام 2020 إلى 14 مليونًا في عام 2025.


• وهذا العدد يمثل حوالي 16٪فقط من إجمالي مبيعات سيارات الركوب في عام 2025،وتختلف هذه النسبة من دولة إلى أخرى. ففي ألمانيا، على سبيل المثال،ستمثل السيارات الكهربائية ما يقرب من 40٪من إجمالي المبيعات بحلول عام 2025، بينما تصل الصين - أكبر سوق للسيارات في العالم - إلى 25٪.


• سوف ترتفع مبيعات السيارات الهجينة الموصولة بالكهرباء (PHEV) بسرعة في أوروبا على المدى القريب لتلبية أهداف الاشتراطات المشددة لثاني أكسيد الكربون، ولكنها ستتلاشى بعد ذلك مع استمرار انخفاض أسعار البطاريات. ولن تكتسب (PHEV) أي حصة كبيرة في الأسواق الأخرى خارج أوروبا واليابان، وسوف تكون حوالي 80٪ من المبيعات العالمية للسيارات الإضافية بحلول عام 2025 هي لسيارات كهربائية.


• أن مبيعات سيارات الركوب التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي قد تجاوزت ذروتها في عام 2017 وهي الآن في انخفاض دائم. ويوجد حاليًا 12 مليون سيارة ركاب على الطريق، تمثل 1٪ من الأسطول العالمي. وسيرتفع هذا إلى 54 مليون سيارة بحلول عام 2025.


• هناك قطاعات من النقل البري قد قطعت شوطاً طويلاً في اعتماد السيارات الكهربائية.، حيث أن 25٪من الأسطول العالمي حاليا هو لسيارات تعمل بالكهرباء بالفعل. كما وصلت المبيعات العالمية للدراجات ذات العجلتين أو الثلاث عجلات إلى حوالي 44%. وتمثل الصين الجزء الأكبر من سوق الدراجات الكهربائية ذات العجلتين حتى الآن، لكن مبيعاتها تنمو أيضا بسرعة في أسواق مثل تايوان وفيتنام والهند.


• سوف يتباطأ معدل نمو الدراجات الكهربائية ذات العجلتين والثلاث عجلات على مستوى العالم في غضون 3 إلى 4 سنوات القادمة مع تشبع السوق الصيني، ولكن بعد ذلك سيبدأ في الارتفاع بسرعة اعتبارًا من عام 2025 مع زيادة المبيعات في الأسواق الأخرى. كما أن زيادة اهتمام الشركات المصنعة بالنماذج ذات الطاقة النظيفة، والتحسن في الاقتصاد، سيدفع بالدراجات الكهربائية ذات العجلتين والثلاث عجلات إلى مستويات أعلى كثيرا.


• يوجد حاليًا ما يقرب من 600,000 حافلة كهربائية (سيارات النقل الجماعي) على الطريق عالميًا، تمثل 39٪ من المبيعات الجديدة و16٪ من الأسطول العالمي. استحوذت الصين على الغالبية العظمى من مبيعات الحافلات الكهربائية في عامي 2020 و2021، حيث تم بيع أكثر من 74,000 وحدة، ولا تزال تمثل 98٪ من أسطول الحافلات الكهربائية العالمي.
• بدأت هذه الحصة في الانخفاض، حيث بدأت بعض أساطيل حافلات المدن الصينية في التشبع مع اعتمادها في أوروبا وأمريكا الشمالية وكوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا والهند وأمريكا الجنوبية. وبحلول عام 2025، ستبلغ مبيعات الحافلات الكهربائية خارج الصين حوالي 14,000، ارتفاعًا من 5,000 حافلة في عام 2020. وتعد الحافلات والدراجات الكهربائية ذات العجلتين والثلاث عجلات أكبر فرصة على المدى القريب في الاقتصادات الناشئة.


• لقد بدأت تكنولوجيا المحركات الكهربائية تشق طريقها أيضا في الشاحنات الثقيلة. وسوف تصبح الشاحنات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات من أي حجم، الخيار الأرخص للعديد من حالات الاستخدام داخل المجتمعات العمرانية قريبا.


• وأخيرا، سوف تظهر خلال العامين القادمين نتائج العديد من الأبحاث لأفكار ثورية من "خارج الصندوق" تماما تهدف للجمع بين مزايا محركات الاحتراق الداخلي مع خفض انبعاثات غازات الكربون ومنها على سبيل المثال مشروع شركة (Mazda) اليابانية. حيث تقوم الشركة بالبحث عن فرص إنتاج وقود حيوي باستخدام "الطحالب" بهدف تطوير تقنيةللحصول على وقود متجدد - مصنوع من الطحالب. كجزء من برنامج "Zoom-Zoom 2030 المستدام"،وفي هذه الحالة، فإن المحرك سيطلق قدرًا من ثاني أكسيد الكربون بقدر ما امتصته الطحالب أثناء نموها. خاصة أن زراعة هذه الطحالب لا تضر بالبيئة. كما يمكن زراعتها في أرض غير صالحة للزراعة العادية. إنهم يخططون من خلال هذا المشروع لتقليل حجم انبعاثات الكربون إلى 90٪خلال 30 عامًا. ويمكن أن نستعرض مع حضراتكم في مقال آخر المزيد من الأفكار المتميزة جدا في هذا الخصوص إن شاء الله.


خلاصة القول،وبعد كل ما سبق عرضه من معلومات وتحديات متلاحقة وسريعة جدا، فأنه يجب على صناع القرار لدى الموزعين المعتمدين وضع كل هذه التوقعات ضمن خطط واستراتيجيات العمل على المدى القريب وذلك بالتنسيق المتواصل والشفافية التامة مع شركات صناعة السيارات العالمية التي يمثلونها في بلدانهم. حتى لا يجدوا أنفسهم وبشكل غير متوقع عاجزين عن إبقاء شركاتهم على قيد الحياة وضمن نطاق المنافسة الشرسة في سوق السيارات خلال السنوات القليلة القادمة.


ونتيجة لذلك، فإنه اعتبارا من اليوم وخلال الفترة القادمة سوف تتمتع ثلاثة من الوظائف في شركات السيارات بأهمية قصوى لأنها سوف تصنع الفرق بين الحياة والموت لجميع شركات السيارات. ولابد أن تعمل هذه الوظائف كفريق واحد وهي:


(1. Inventory Control, 2. Product Planning, 3. After Sales Service).

 

ومن الضروري أيضا أن يتمتع أصحاب هذه الوظائف بإمكانيات وكفاءة عالية وبالتالي يجب على صانعي القرار في شركات السيارات اختيار أصحاب هذه الوظائف بعناية شديدة وبعيدا عن أي اعتبارات أخرى غير مهنية ومنحهم الاستقلالية والصلاحية الكاملة في اتخاذ القرار مع تحمل مسؤولية النتائج.

 

الاخبار الرئيسية

مقال رئيس التحرير

بقلم هشام الزيني

مصر والمصريين

الأكثر قراءة