أيهما سيتصدر السباق.. سيارات الهيدروجين أم السيارات الكهربائية؟


 

لقد لاحظنا في سلسلة المقالات السابقة عن «استراتيجية تنمية صناعة السيارات الكهربائية»، أن خفض الانبعاثات الضارة من محركات الاحتراق الداخلي لم يعد خيارا، ولكنه أصبح إلزاميا لكل شركات السيارات، خاصة بعد التغيرات المناخية الشديدة من السيول والعواصف والحرائق التي جاءت هذا العام بخسائر شديدة بشكل لم يحدث من قبل.

 

ومع ذلك إذا أردنا اقناع المزيد من العملاء باستبدال السيارات التي تعمل بالوقود بالتي تعمل بالكهرباء، فإنه يجب ابتكار حلول من خارج الصندوق لحل المشكلات الرئيسية التي ذكرناها تفصيلا في هذه المقالات، ومن أهمها توافر أنظمة شحن سريعة ورخيصة للبطارية سواء داخل المدن أو خارجها.
وحتى إذا توافرت نقاط الشحن بشكل كافي فإن التوقف على فترات قصيرة لإعادة الشحن هو أمر غير مقبول أو مريح بالنسبة للكثير من العملاء.

 

ولذلك اهتمت الأبحاث الحديثة بتطوير أنظمة الشحن «اللاسلكية» "بدون كابلات" خاصة بعد التقدم التكنولوجي الهائل الذي أظهر أنه بالإضافة للشحن اللاسلكي أثناء وقوف السيارة فإنه يمكن شحن السيارة أيضا أثناء قيادتها على الطريق. ألا أن هذا الحل سيحتاج إلى توفير تقنية معقدة وبنية تحتية خاصة وذات تكلفة عالية جدا حتى مع الاستعانة بمصادر الطاقة المتجددة. ومن بين التقنيات الحديثة التي يتجه إليها مستقبل السيارات، أصبحت سيارة خلية وقود الهيدروجين حقيقة واقعة.
وقبل أن نتعرف على محركات الهيدروجين، إليكم نبذة بسيطة عن «غاز الهيدروجين». فهو أبسط العناصر لأنه يتكون من إلكترون واحد وبروتون. ومع ذلك فهو أيضًا أكثر العناصر التي نعرفها في الكون اليوم من حيث الوفرة.

 

ومن المثير للاهتمام أن الهيدروجين لا يتواجد منفردا بشكل طبيعي على كوكبنا كغاز. حيث يكون متحدا دائمًا مع عناصر أخرى في شكل مركب جديد. فعلى سبيل المثال، عند الجمع بين جزيء واحد من الأكسجين واثنين من الهيدروجين، سنحصل على الماء.
ويمكننا أيضًا العثور على الهيدروجين في العديد من المركبات العضوية التي نستخدمها كوقود اليوم، تسمى هذه العناصر "الهيدروكربونات" وهي تشكل معظم ما نستخدمه للتدفئة والقيادة والاحتياجات المماثلة. ويأتي البروبان والميثانول والغاز الطبيعي وحتى البنزين ضمن الهيدروكربونات.

 

ويتم انتاج الهيدروجين تجاريا بتقنية خاصة عن طريق فصله من الغاز الطبيعي، ويمكننا أيضًا إنتاجه عن طريق التحليل الكهربائي للماء لفصله عن الأكسجين. كما تستخدم بعض البكتيريا والطحالب ضوء الشمس لتكوين الهيدروجين في ظل ظروف معينة.
ونظرًا لأنه مصدر طاقة عالي، تم استخدامه الهيدروجين السائل كوقود لصواريخ الفضاء منذ السبعينيات. ولكن هل سيكون الهيدروجين مفيدا في السيارات أيضا ولماذا الهيدروجين تحديدا؟

وللإجابة نقول بأن السيارة التي تعمل بالهيدروجين تشترك في نفس طموحات القيادة الخالية من الانبعاثات مثل السيارة الكهربائية «التقليدية». ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها من أجل تقليل التأثير البيئي لإنتاج الهيدروجين قدر الإمكان. تعتمد الطريقة الحالية لاستخراج هذا العنصر الكيميائي على إعادة التكوين البخاري للهيدروكربونات، ويسمى الهيدروجين «الرمادي» لأنه يُستخرج من الوقود الأحفوري.
وهناك طريقة أخرى لإنتاج الهيدروجين «الأخضر» من خلال التحليل الكهربائي للماء. خاصة عندما تكون الكهرباء المستخدمة في عملية التحليل الكهربائي من مصدر طاقة مستدام، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.

 

وهذه الطريقة هي أحد الحلول المستقبلية لخفض الانبعاثات الضارة مع توفير وسيلة شحن دائمة للسيارات أثناء القيادة دون الحاجة لإعادة الشحن بمصدر كهربائي خارجي وسوف نستعرضها بمزيد من التفصيل لاحقا.

 

يستخدم الهيدروجين المضغوط عند 350 بار في خزانات الهيدروجين الأرضية ويصل الضغط إلى 700 بار في خزانات الهيدروجين الخاصة بالسيارات.

 

ويتم توليد الطاقة من الهيدروجين من خلال ما يعرف "بخلية الوقود" وهي خلية كهروكيميائية تحول الطاقة الكيميائية لوقود (الهيدروجين) وعامل مؤكسد (الأكسجين) إلى كهرباء من خلال زوج من تفاعلات الأكسدة والاختزال.

 

وموضوع خلايا الوقود ليس حديثا. فقد قام عالم الفيزياء الإنجليزي (William Grove) باختراع أول خلايا الوقود في عام 1838. ثم جاء أول استخدام تجاري لخلايا الوقود بعد أكثر من قرن بعد اختراع خلية وقود الهيدروجين والأكسجين بواسطة المهندس الإنجليزي أيضا (Francis Thomas Bacon) في عام 1932.

 

وهي خلية وقود قلوية، والمعروفة أيضًا بخلية وقود (Bacon) على اسم مخترعها. وقد تم استخدامها في برامج شركة (NASA) الفضائية الأمريكية منذ منتصف الستينيات لتوليد الطاقة للأقمار الصناعية وكبسولات الفضاء. ومنذ ذلك الحين، تم استخدام خلايا الوقود في العديد من التطبيقات الأخرى مثل الرافعات الشوكية والسيارات والحافلات والقوارب والدراجات النارية وحتى الغواصات.

 

وفي عام 1991، طور (Roger Billings) أول سيارة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

 

كيف تعمل خلايا الوقود؟
 

فيما يلي، سوف أحاول تقديم شرح مبسط جدا لطريقة عمل خلية الوقود بعيدا عن التصاميم الهندسية والمعادلات الكيميائية المعقدة كما هو موضح في الرسم التالي:

 


 

فهناك العديد من أنواع خلايا الوقود لا يتسع المقال للحديث عن كل منها تفصيلا. ومع ذلك، فإنهم جميعًا يعملون بنفس الطريقة العامة والتي تتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية: الأنود، والإلكتروليت، والكاثود. يحدث تفاعلان كيميائيان فيما بين الأجزاء الثلاثة: وهما (الأكسدة: وهي العملية التي يفقد فيها المتفاعل إلكترونًا واحدًا أو أكثر. والاختزال: وهو العملية التي يكتسب فيها المتفاعل إلكترونًا واحدًا أو أكثر).

 

وتحدث العمليتان دائمًا معًا، لذلك يُشار إلى نوع التفاعل باسم «تفاعل الأكسدة والاختزال» (REDOX)، والذي ينتج عنه استهلاك الهيدروجين، وتكوين الماء أو ثاني أكسيد الكربون (في بعض الأنواع)، مع توليد حرارة وتيار كهربائي، يمكن استخدامه لتشغيل الأجهزة الكهربائية، والتي يشار إليها عادةً بالأحمال الكهربائية. علما بأن مادة الإلكتروليت هي التي تحدد نوع خلية الوقود.

 

في الأنود يقوم المحفز بأكسدة الوقود، (الهيدروجين)، مما يحول الوقود إلى أيون موجب الشحنة وإلكترون سالب الشحنة. والإلكتروليت عبارة عن مادة مصممة خصيصًا بحيث يمكن للأيونات فقط المرور من خلالها، ولا تسمح بمرور الإلكترونات. تنتقل الإلكترونات المحررة عبر سلك لتكون مصدر التيار الكهربائي. وتنتقل الأيونات عبر الإلكتروليت إلى القطب السالب، وبمجرد الوصول إلى الكاثود، تتحد الأيونات مع الإلكترونات ويتفاعل الاثنان مع مادة كيميائية ثالثة (الأكسجين)، لتكوين الماء و ثاني أكسيد الكربون في بعض الأنواع.

 

تعمل خلايا الوقود عادةً في درجات حرارة عالية (تصل من 600 درجة مئوية إلى 700 درجة مئوية)، لذا فهي تنتج الحرارة كمنتج ثانوي. ويمكن استخدام الحرارة الزائدة لتوليد الماء الساخن و / أو البخار ثم استخدام هذا البخار لتشغيل التوربينات والمولدات لإنتاج الكهرباء.

 

عمليا، لا يمكن الوصول إلى الحد الأقصى من الكفاءة النظرية لأي نوع من أنظمة توليد الطاقة، وغالبا عند حساب الكفاءة لا يؤخذ في الاعتبار خطوات أخرى في منظومة توليد الطاقة، مثل إنتاج الوقود ونقله وتخزينه ثم تحويل الكهرباء إلى طاقة ميكانيكية.

 

ومع ذلك، فإن الحد الأقصى لكفاءة الطاقة النظرية لخلية الوقود هو 83%، عندما تعمل بكثافة طاقة منخفضة وتستخدم الهيدروجين والأكسجين النقيين كمواد متفاعلة (بافتراض عدم استعادة الحرارة الناتجة من التفاعل) مقارنة مع أقصى كفاءة نظرية لمحركات الاحتراق الداخلي والتي تبلغ 58% وفقا لمجلس الطاقة العالمي.

 

فعلى سبيل المثال، تنتج خلايا وقود الأكسيد الصلب الحرارة من إعادة اتحاد الأكسجين والهيدروجين. وقد تصل درجة حرارة السيراميك إلى 800 درجة مئوية. يمكن التقاط هذه الحرارة واستخدامها لتسخين المياه في تطبيقات الحرارة والطاقة المدمجة متناهية الصغر (M-CHP). وعندما يتم التقاط هذه الحرارة، يمكن أن تصل الكفاءة الإجمالية إلى 80-90% لكل وحدة.

 

وتستخدم خلايا وقود الهيدروجين كمصدر أساسي نظيف لتوليد الطاقة الكهربائية للمصانع والمساكن في كثير من الدول المتقدمة.

 

وفي معظم الحالات يتم استخدام الحرارة الناتجة من الخلايا لتدفئة المباني أو لتوليد البخار، والذي يمكن استخدامه لتشغيل التوربينات البخارية وتوليد المزيد من الطاقة الكهربائية.

 

ومع ذلك، أشارت الدراسات إلى أن تكلفة الكهرباء التي يتم الحصول عليها من خلايا وقود الهيدروجين تصل إلى "أربعة أضعاف" تكلفة الكهرباء المستمدة من شبكة الكهربائية العادية ولذلك لا يمكنها المنافسة حتى الآن. كما أن توليد الهيدروجين من الغاز الطبيعي ليس حلاً مستدامًا.

 

لأن الكمية الكبيرة من الطاقة المطلوبة لعزل الهيدروجين عن المواد الطبيعية مثل (الماء، والغاز الطبيعي، والكتلة الحيوية)، ثم تعبئة الغاز عن طريق الضغط أو التسييل، ونقله إلى المستخدم، بالإضافة إلى الطاقة المفقودة عند تحويله إلى كهرباء مفيدة لخلايا الوقود، يترك حوالي 25% فقط للاستخدام العملي.
لمعرفة كيف يتم توظيف خلايا وقود الهيدروجين للحصول على الطاقة النظيفة في السيارات، أنظر الشكل التالي:

 


 

وهذا الشكل يوضح أهم المكونات الرئيسية لنظام توليد الطاقة في السيارة التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين. حيث يتم استغلال الطاقة الكهربائية التي تولدها الخلية كمصدر لشحن بطارية السيارة ومنها إلى المواتير الكهربائية الموجودة على العجلات والتي تعمل بنفس التكنولوجيا الموجودة في السيارات الكهربائية التقليدية ولكن دون الحاجة لإعادة شحن البطارية من مصدر تيار خارجي لأن الكهرباء المتولدة من الخلية هي التي تتولى هذه المهمة.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت خلية وقود الهيدروجين سوف تتولى شحن بطارية السيارة أثناء السير دون الحاجة لمصدر شحن خارجي فهل ستكون هي البديل المناسب للسيارات الكهربائية العادية وتتصدر السباق في هذا المضمار؟

 

والإجابة عن هذا السؤال، سيكون هو موضوع المقالة القادمة إن شاء الله.

اخبار جوجل تابعوا صفحتنا على أخبار جوجل

الاخبار الرئيسية

مقال رئيس التحرير

الأكثر قراءة