استراتيجية التعامل مع تحديات صناعة السيارات حتى 2030 (2)

تغيير حجم الخط


 

استعرضنا مع حضراتكم في المقال السابق تأثير اتجاهات التكنولوجيا الحديثة وهي نتائج طبيعية للثورة الصناعية الرابعة والمعروفة اختصارا (ACES) (القيادة المستقلة، والاتصالات، والكهرباء، والتنقل المشترك) على صناعة السيارات حتى عام 2030.

 

وأوضحت أحدث الدراسات أن هذه الاتجاهات ستحدث تغيير جذري في صناعة السيارات. وهو ما يستلزم إجراء تعديلات كبيرة على مستوى خطط العمل ومرونة شديدة من صناع القرار في توكيلات بيع وخدمة السيارات.

 

وذكرنا أن تفاصيل هذه الدراسات قد تمت على أسواق السيارات الكبرى وهي: الصين والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى أكبر الدول في السوق الأوروبية وتشمل (ألمانيا، إنجلترا، فرنسا، وإيطاليا) لأنها تمثل المحرك الرئيسي لصناعة السيارات حول العالم كما تتوافر لديها بيانات ومعلومات دقيقة بخصوص هذه الصناعة يمكن استخدامها للحصول على نتائج أكثر واقعية. وقد ركزت الدراسات الأخيرة على تأثير هذه التغييرات على خدمات ما بعد البيع لأنها تمثل العمود الفقري لصناعة السيارات كما سيكون عليها مواجهة النصيب الأكبر من التحديات بسبب التغييرات الجذرية في هذه الصناعة سواء من ناحية انخفاض الإيرادات وزيادة حجم الاستثمارات المطلوبة وكذلك توفير الكوادر الفنية عالية الاحتراف.

 


 

ويمكن تلخيص تأثير هذه الاتجاهات الحديثة على إيرادات خدمات ما بعد البيع في الرسم البياني السابق:

 

حيث يشير إلى أن هناك انخفاض حاد في إيرادات قطع الغيار لخدمات ما بعد البيع يصل إلى 40% للسيارات الكهربائية مقارنة بسيارات محرك الاحتراق الداخلي. لكن هذا لا يعني أن هناك انخفاضًا بهذه النسبة الكبيرة في إجمالي ايرادات خدمات ما بعد البيع للسيارات، لأن هناك دخل إضافي يجب وضعه في الاعتبار نتيجة لزيادة إيرادات عدد ساعات الخدمة والصيانة وإعادة المعايرة بسبب زيادة التعقيد في تكنولوجيا السيارة الكهربائية مقارنة بسيارات محركات الاحتراق الداخلي. ولذلك، ظهرت في نهاية المقالة السابقة حاجة ملحة للإجابة عن سؤالين هامين جدا وهما:

 

كيف تتعامل شركات السيارات مع هذه التحديات؟ وما هي أهم عناصر بناء استراتيجية العمل وإدارة المخاطر في ظل المتغيرات السريعة خلال السنوات القادمة؟

 

ولكن قبل الإجابة على هذه الأسئلة هناك أمر هام جدا وجب التنويه عنه، فقد يعتقد البعض بأنه لا يزال هناك قدر كبير من الوقت لوضع هذه الإستراتيجية قيد التنفيذ، حيث يميل موقف السيارة نفسها الذي يعد الأساس لأعمال خدمات ما بعد البيع إلى الدوران ببطء. ولهؤلاء نقول، بأن هذا الاعتقاد "خطأ فادح" للأسباب الآتية:

 

أولا: لأن القدرات والبنية التحتية الجديدة والضرورية للتعامل مع هذه الاتجاهات الحديثة في صناعة السيارات لن تحدث بين عشية وضحاها لأنها تتطلب استثمارات كبيرة وطويلة الأجل في التخطيط والقدرات التنظيمية والبنية التحتية لمراكز الخدمة وتدريب الكوادر الفنية وتوفير المعدات الخاصة.

 

ثانيا: لقد تكبدت الدول الصناعية الكبرى خسائر جسيمة من الكوارث الطبيعية الناتجة عن تلوث البيئة وأصبحت هذه الكوارث تتكرر بوتيرة أسرع وحجم خسائر أكبر. وهي تكلف أضعاف حجم الاستثمار والتحول إلى وسائل النقل النظيفة مثل السيارات الكهربائية. فعلى سبيل المثال، تسببت الفيضانات الأخيرة التي حدثت خلال هذا الشهر (يوليو 2021) في خسائر مادية وصلت إلى حوالي 6 مليار دولار في أوروبا وزادت هذه الخسائر على 10 مليار دولار في الصين وحدها. بينما وصلت خسائر الأعاصير في أمريكا إلى 22 مليار دولار خلال عام 2020 وحده. هذه الخسائر سوف ترغم هذه الدول على اتخاذ إجراءات فورية للتكيف مع الوضع الجديد سريعا وبالتالي شركات السيارات وموزعيها حول العالم.

 

وأول الإجراءات الهامة جدا التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مع الحاجة الملحة لتنفيذها كأحد أهم مبادئ خدمات ما بعد البيع من الآن فصاعدا، هي نشر وتطبيق المفهوم بأن خدمات ما بعد البيع لم تعد خدمة فقط ولكنها "علاقة".

 

فمنذ زمن طويل كان يُنظر إلى خدمات ما بعد البيع على أنها مجرد توفير الصيانة والإصلاح وقطع الغيار للسيارات بجودة عالية. لكن مستقبل خدمات ما بعد البيع سيتطلب “التواصل” المستمر وبشكل مختلف مع العملاء بالإضافة إلى توفير أعلى مستويات الخدمة إلى حد "الإبهار" في كل ما سبق. وفي هذا المفهوم الجديد، يصبح الشراء الأولي للسيارة أقل أهمية، وسيكون التواصل والعروض المقدمة خلال دورة حياة السيارة مع العميل والإيرادات المتكررة، هي المحرك الحقيقي لسلسلة القيمة وأرباح شركات السيارات. بل إن بقاء الشركة في المنافسة سيتوقف على مدى محافظتها على هذه العلاقة مع العملاء.

 

وقد أثبتت الدراسات أن 80% من دخل الشركة يأتي من خلال 20% فقط من عملائها. كما أن زيادة عدد العملاء بنسبة 5% فقط يزيد أرباح الشركة بنسبة 125%. ولذلك سوف نرى خلال الأيام المقبلة العديد من شركات تصنيع السيارات التي تريد أن تكون في مقدمة السباق في هذا المضمار تقدم برامج خاصة لدعم هذا المفهوم الجديد في خدمة العملاء من خلال شبكة موزعيها حول العالم.

 

وفي السطور التالية سوف أحاول شرح أهم محاور الاستراتيجية الجديدة بطريقة مبسطة جدا دون الدخول في التعقيدات الفنية لإنشاء خطط العمل سواء متوسطة أو طويلة الأجل عن طريق وضع نموذج مبسط يمكن تطبيقه في أي وقت وفي أي شركة سيارات يؤمن قادتها بأن التخطيط السليم هو أساس النجاح وذلك خلاصة العديد من الكتب والأبحاث في موضوع (Strategic Management)، كما هو موضح بالرسم التالي:

 


 

وتتلخص الاستراتيجية الجديدة في ستة مراحل أساسية، وسوف أقوم بعرض أهم بنود كل مرحلة بشكل مبسط.

 

1- تحليل موقف صناعة السيارات اعتبارا من هذا العام وحتى عام 2030 بكل تفاصيله

 

بالإضافة إلى المعلومات التي تم عرضها بشكل عام لتوقعات صناعة السيارات في أهم أسواق السيارات العالمية في المقال السابق. لابد أن تتوفر بعض البيانات تفصيلا مع تحديثها بشكل دوري لتسهيل اتخاذ القرار المناسب لقادة الشركات ومنها:

 

- خطة انتاج شركة تصنيع السيارات التابع لها الموزع وأهم الموديلات التي سيتم طرحها في السوق والمستهدف المتوقع لكل موديل حتى 2030 ولماذا؟

 

- إمكانية أن يكون لدى شركة تصنيع للسيارات خطة دعم واستثمار واضحة لشبكة موزعيها لتأمين البنية التحتية المطلوبة لسيارات المستقبل.

 

- الموديلات المنافسة وأنواعها وحصة مشاركة كل منها في السوق بالإضافة إلى معدلات النمو لكل موديل خلال السنوات الخمس السابقة على الأقل مقارنة بمثيلاتها من موديلات العلامة التجارية التابع لها الموزع الرئيسي.

 

- التوزيع الجغرافي للسيارات وحصة مشاركتها في السوق على مستوى المحافظات والمدن الكبرى بها.

 

- حساب تكلفة التشغيل لكل موديل بما في ذلك أسعار قطع الغيار مقارنة بالمنافسين خلال مسافة 100,000 كم أو 3 سنوات الأولى من عمر السيارة. وهذا يلزمه مراجعة شاملة لنظام التسعير لكل من السيارات وقطع الغيار.

 

- حجم الإنشاءات والإمكانيات المتاحة ومواقعها مثل المعارض ومراكز الخدمة ومنافذ بيع قطع الغيار لشبكة الوكلاء المعتمدين.

 

- إجمالي حجم سوق السيارات والبيانات الاقتصادية للدولة بما في ذلك المشاريع الكبرى المستقبلية والعملاء المحتملين (شركات وأفراد) وكذلك معدل الحوادث.

 

- حجم المخزون ومدة التوريد للطلبيات الجديدة. ويجب أن تتوفر هذه المعلومات على مستوى الصنف الواحد.

 

- أي اتفاقيات دولية مثل اتفاقيات التجارة الحرة (FTA) مع دول انتاج السيارات أو قوانين محلية لها علاقة بصناعة السيارات بشكل مباشر أو غير مباشر. وأيضا أي تغيير محتمل في شروط وثائق التأمين على السيارات.

 

- ضع في اعتبارك عمليات "الاستحواذ" التي قد تحدث من الشركات الكبرى لحماية مصالحها من هجوم الوافدين الجدد. وهذا يحدث غالبا في مثل هذه التحولات الكبيرة في الصناعة.

 

- إجراء استقصاء دوري لمعرفة رأي كلا من العملاء والعاملين بالشركة عن أهم مشكلاتهم الحالية وكذلك توقعاتهم لتحسين الخدمة.

 

- معرفة أسعار قطع الغيار الأصلية التي يتم بيعها في السوق سواء لنفس ماركة السيارة أو للماركات المنافسة وكذلك أسعار قطع الغيار المماثلة والغير أصلية وأهم مصادر قطع الغيار الأخرى من خارج الوكيل.

 

هذا بالإضافة إلى بيانات أخرى لا يمكن ذكرها تفصيلا في هذا المقال. وبعد ذلك يتم عمل تحليل دقيق لهذه البينات عن طريق (SWOT Analysis) لتحديد نقاط الضعف والقوة وكذلك فرص النمو الموجودة على مراحل مختلفة ومنها يتم تحديد المستهدفات المطلوب الوصول إليها في نهاية كل مرحلة وتكلفة كل منها مع تأثير هذه التكلفة على التدفقات المالية للشركة. ولكي نحصل على بيانات مفيدة في اتخاذ القرار وتحديد الأولويات علينا أن نضمن عوامل مهمة جدا للنجاح وهي:

 

- دقة المعلومات التي يتم جمعها.

 

- وجود نظام معلومات (ERP) قوي وفريق عمل محترف لتحليل البيانات وإخراج التقارير بدقة عالية.

 

وهذا يقودنا إلى المرحلة الثانية من الاستراتيجية وهي:

 

2- تحديد الأهداف القابلة للتحقيق وترتيب أولوياتها

 

- إن أفضل طريقة لتحديد الأهداف وترتيب أولوياتها هي طريقة (Balanced Scorecard) أو (BSC) لأنها تركز بشكل أساسي في إخراج النتائج على عوامل هامة جدا وهي: التعلم والنمو والعمليات (الإجراءات) والعملاء والتمويل.

 

- تكون الأولوية لمشاريع النمو العضوي (Organic Growth)، أي التي يمكن تنفيذها بالإمكانيات المتاحة للشركة.

 

- وبمجرد تحديد الأهداف والأولويات، يتم وضع محددات الأداء (KPIs) الضرورية لمتابعة التنفيذ لكل مستهدف.

 

- ومن أهم الأهداف التي يجب الوصول إليها سريعا هي رفع مستوى المخزون الصحي (Healthy Stock) لقطع الغيار بحيث لا يقل عن 95% لأي صنف نظرا لأن هناك أصناف حالية سوف تختفي من السيارات الحديثة تماما. والوصول إلى هذا الرقم سيتطلب مجهود هائل من إدارة المخزون لأننا في نفس الوقت يجب الحفاظ على مستوى خدمة (Service Rate) لا يقل عن 97% حتى لا نخسر إرضاء العملاء الحاليين. لذلك يجب الاعتماد على مدير "محترف جدا" في إدارة قطع الغيار، له رؤية ثاقبة ولا يعتمد على الطلبيات التي تتم بشكل ألي من جهاز الكمبيوتر. ويمكن القول بأن مدير قطع الغيار المحترف سيلعب أهم أدوار خدمات ما بعد البيع خلال العقد الحالي.

 

3- وضع الخطط لتحقيق الأهداف

 

من المعروف أن اعداد الخطط بأنواعها يحتاج إلى عناصر وإجراءات كثيرة ومعقدة. ولكي نتفادى الخوض في هذه التفاصيل فإننا نوجه انتباه المدير المسئول إلى مراعاة أن تشتمل الخطط على العناصر والأنشطة التالية لتكون فعالة ومثمرة والتي قد تختلف أهميتها وأولوياتها أيضا من شركة لأخرى:

 

- أولا؛ تحديد المجالات التي يمكن العمل بها والتي غالبا ما يكون فيها ميزة تنافسية للشركة. وكيف يمكن تحقيق مكاسب سريعة منها على المدى المتوسط والطويل.

 

- تقديم باقات من الخدمات المتميزة تعتمد على عمر السيارة وتشتمل على باقات خاصة يتم بيعها مع السيارات الجديدة. وعروض بأسعار تنافسية للسيارات متوسطة العمر وأعمال إصلاح وقطع غيار بأسعار مناسبة للقيمة السوقية الحالية للسيارات القديمة.

 

- وضع خطة خاصة لعملاء الشركات (B2B) مع تطوير نظم البيع من خلال قنوات البيع الرقمية وعبر منصات الإنترنت للأجزاء المتكاملة مع ضمان سرعة توصيل الخدمات وقطع الغيار للعميل.

 

- مطالبة شركة تصنيع السيارات بدعم التوجه نحو توفير قطع الغيار الأصلية والغير مزودة بالعلامة التجارية (IAM) عن طريق الاستيراد المباشر من الشركة المصنعة لهذه القطع للاستفادة من فرق الأسعار في دعم قنوات البيع للشركات (B2B) ولجذب أكبر عدد من عملاء السيارات القديمة.

 

- توفير الخدمة وقطع الغيار لأكبر عدد ممكن من العملاء وذلك عن طريق نشر مراكز الخدمة المتنقلة (Mobile Service) قدر الإمكان ومراكز الخدمة السريعة (Satellite Service Centers) وذلك للحفاظ على أعلى نسبة مشاركة للعملاء، مع تعزيز مكانة الشركة في السوق بأقل تكلفة.

 

- الاستفادة من التكنولوجيا المعقدة في السيارات الحديثة التي ستكون سببا رئيسيا لتوجيه العملاء إلى شبكة مراكز الخدمة المعتمدة فقط للإصلاح والصيانة نظرا لعدم إمكانية ذلك في الورش الغير معتمدة.

 

- تحديد حجم الاستثمار في التدريب والمعدات الخاصة لتحقيق الاحتراف في تقديم الخدمات التي تفوق توقعات العملاء وذلك لمواجهة جهود المنافسين الحاليين والجدد ولكسب حصة أفضل في السوق.

 

- تقديم برامج تسويق مختلفة على مدار السنة لزيادة نقاط التواصل مع العملاء وزيادة عدد زياراتهم إلى مراكز الخدمة المعتمدة والحفاظ على أعلى مستويات الولاء للشركة.

 

- مراجعة تكاليف المشتريات والعمليات والخدمات اللوجستية (المصاريف الغير مباشرة) بشكل دوري لتحديد الوضع التنافسي في ضوء زيادة شفافية الأسعار والمنافسة المصاحبة لزيادة المبيعات عن طريق منصات الإنترنت.

 

- تطبيق نظام تسعير متطور ومرن (Dynamic Pricing) ليس فقط على مستوى مجموعات قطع الغيار الأصلية ولكن أخذين في الاعتبار أسعار نفس القطع للموديلات المنافسة لضمان البقاء ضمن حدود المنافسة.

 

- تطبيق رقابة صارمة على قيمة ومستوى توافر "مخزون قطع الغيار على مستوى الصنف الواحد" والحركة المتوقعة لكل صنف طبقا لمدى توافر التكنولوجيا الحديثة في الموديلات الجديدة بما يضمن البقاء في أعلى مستوى صحي للمخزون (Healthy Stock). وهذا موضوع بالغ الأهمية لما له من تأثير مباشر على أرباح الشركات ورضا العملاء.

 

- مطالبة شركات تصنيع السيارات بالاستثمار في برامج جذب العملاء لدى الموزعين المعتمدين خاصة الرقمية منها.

 

4- قياس وتقييم الأداء لكل مشروع داخل الخطة

 

ولكي نحصل على أفضل النتائج، لابد من تقسيم الأنشطة داخل الخطة على هيئة مشروعات صغيرة والتي من الأفضل أن تعمل تحت مبدأ التحولات الرشيقة (Agile Transformation) على أن يتم تحديد مدير لكل مشروع يكون مسئولا عن المتابعة والتطوير لمشروعه وحساب محددات الأداء (KPIs) و (CMIs) المطلوبة وكتابة التقارير عنها للإدارة العليا للشركة حتى تحقيق الأهداف الموضوعة له بشرط منحه التفويض والصلاحيات اللازمة بعيدا عن البيروقراطية وأسلوب الإدارة المركزية تسهيلا لمهمته. وهذا الموضوع هام جدا لمعرفة اتجاه الحركة والنمو بالنسبة لكل مشروع وتحديد ما إذا كان المشروع يسير في الاتجاه الصحيح من عدمه. بالإضافة إلى اتخاذ التدابير اللازمة سريعا عند خروج الأداء في أي مشروع عن المسار المخطط له أو تغيير جذري في المعطيات أو نسبة المخاطرة لأسباب لم تكن متوقعة من بداية إعداد الخطط. لكن لاحظ الآتي:

 

- لقد ثبت أن الشركات التي خضعت لنظام التحولات الرشيقة (ِAgile Transformation) تتفوق في الأداء في بيئات العمل سريعة التغير، مما يؤدي إلى زيادة إرضاء العملاء والموظفين، مع تكاليف أقل، ومعدلات أسرع للنمو. ويمكن أن نخصص مقالة خلال الأسابيع المقبلة للحديث عن هذا الموضوع بتفاصيل أكثر.

 

- كالعادة، بمجرد أن تطرح فكرة لمشروع ناجح من خارج الصندوق، يجب أن تتوقع قيام الشركات المنافسة باستغلال نفس الفكرة مع إضافة المزيد من المزايا لها. ولذلك فإن تقييم الأداء لمثل هذه الأمور يجب أن يؤخذ في الحسبان مع سرعة اتخاذ القرار لتطوير المشروع من وقت لأخر.

 

5- تشكيل وتنمية مهارات فرق العمل والقيادات

 

وهذه المرحلة تبدأ مع بداية التخطيط للإستراتيجية الجديدة حتى نهاية كل مشروع وهي تحتاج إلى أمور هامة جدا كما يلي:

 

- أن يؤمن أصحاب القرار في الشركة بأن نجاحهم في مواجهة التحديات يكمن في اختيار أصحاب "الكفاءات" وليس أصحاب "الولاء" لهم.

 

- أن يتحلى أصحاب القرار بالعقلية المرنة في اتخاذ القرار مع الإيمان التام بضرورة تفويض بعض الاختصاصات لقادة فرق العمل. وأن نظام (One Man Show) أثبت فشله تماما ولم يعد يصلح لإدارة أي شركة مستقبلا.

 

- أن يؤمن أصحاب القرار بأنه ليس من الضروري أن يكون المدير الناجح على دراية بكل تفاصيل الشركة ولكن الأهم هو كيف يحصل عليها بشكل علمي دقيق من خلال فرق العمل المختلفة.

 

- أن يؤمن أصحاب القرار بأن تكلفة التدريب ليست مصاريف للشركة ولكنها استثمار في الموارد البشرية بشرط وضعها في المكان والوقت المناسبين.

 

- إجراء تقييم دقيق لمعرفة مستوى المهارات الفنية والإدارية للعاملين بالشركة (Skill Matrix) لتحديد نوع وحجم الاستثمارات في التدريب، مع تخفيض حجم العمالة الغير مباشرة ومنخفضة الأداء إلى أقصى حد ممكن.

 

- تذكر بأن المدير الناجح هو من يجعل استثمارات التدريب تتوافق مع الإستراتيجية العامة للشركة.

 

- وأخيرا، عمل نظام تقييم شهري لأداء كل عضو في فرق العمل مع استبدال أصحاب الأداء السيئ منهم فورا.

 

6- الرقابة والسيطرة على التكاليف والتدفق المالي والجدول الزمني لكل الأنشطة

 

في الواقع إن هذه المرحلة ليست الأولى ولا الأخيرة ولكني أخرت الحديث عنها إلى نهاية المقال نظرا لأهميتها الشديدة حيث أنها تبدأ فعليا من بداية وضع الإستراتيجية ولا تنتهي إلا بتحقيق الأهداف كاملة كما هو موضح بالرسم السابق. كما أن أي قصور فيها يمكن أن يؤدي إلى انهيار تام للإستراتيجية أو على الأقل عدم تحقيق الأهداف بشكل تام، حيث يجب أن تبقى جميع المشروعات والأنشطة في الإستراتيجية ضمن الحدود المالية والزمنية المخطط لها منذ البداية. ولذلك يجب أن تبقى هذه المرحلة ضمن مسئوليات الإدارة العليا للشركة نظرا لخطورتها لأن أي خلل قد يحدث فيها ربما يصبح من الصعب معالجته في الوقت المناسب.

 

وخلاصة القول؛ لا شك أنه لا يوجد نهج واحد يناسب جميع الشركات لمواجهة التحديات الناتجة عن الاتجاهات التكنولوجية الحديثة في صناعة السيارات الموضحة في المقال السابق. ومع ذلك، تكشف النتائج التي توصلت إليها الأبحاث والدراسات عن بعض الإجراءات الأساسية التي يجب على شركات صناعة السيارات والموردين وموزعي قطع الغيار ومراكز الخدمة والصيانة المعتمدة اتخاذها فورًا استجابة لهذه الاتجاهات والتصدي للتحديات مع استغلال الفرص الجديدة بشكل مناسب.

 

ومن الواضح أن التكيف مع التغييرات الأساسية وخاصة في سوق خدمات ما بعد البيع سيتطلب من الشركات تحديث خبراتها ومهاراتها الحالية لمواكبة القواعد الجديدة للصناعة. وهذه أمور بلا شك فيها نسبة مخاطرة عالية بسبب منافس جديد أو تقنية حديثة أو سلوك عميل. وبالتالي تحتاج إلى إجراء تشخيص كامل لكل هذه العوامل لتحديد مدى استعداد الشركة للازدهار في البيئة الجديدة. ثم تصميم خريطة الطريق الخاصة بكل شركة وبدأ اختبار النماذج الأولية مبكرا مع الابتعاد تماما عن التقليل من شأن وتيرة التغيير في صناعة السيارات كما ذكرنا في هذا المقال وما سبقه.

 

وفي جميع الأحوال، سيظل سوق خدمات ما بعد البيع للسيارات صناعة جذابة للغاية ذات هيكل معقد وتغييرات كبيرة على المدى المتوسط والطويل. وسوف تزداد أهميته بشكل كبير خلال هذا العقد وما بعده بالنسبة لصناعة السيارات بوجه عام لدرجة أنه سيصنع الفارق بين نجاح أو فشل الشركات. ولذلك فإن أولئك القادرون على اتخاذ إجراءات إستراتيجية من الآن، سيكونون قادرين على التفوق على منافسيهم وتحقيق أفضل النتائج في صناعة السيارات مستقبلا. 

 

 

لمتابعة الحلقات السابقة:

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>