استراتيجية تنمية صناعة السيارات الكهربائية.. (5)

تغيير حجم الخط


 

في الحلقات السابقة من هذه السلسلة من المقالات حول استراتيجية تنمية صناعة السيارات الكهربائية وأهم تحدياتها، ألقينا الضوء على أن نمو صناعة السيارات الكهربائية يمثل التحدي والتهديد الأعنف لشركات البترول لأن نسبة استهلاك السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي تصل إلى (60%) من البترول.

 

وعلى الرغم من كل الأبحاث والدراسات التي دقت ناقوس الخطر لشركات البترول، ظل هناك سبب للشك في السيناريوهات المتوقعة لدى لوبي صناعة البترول نظرا لوجود تحدي أخر لصناعة السيارات وهو أنه بحلول عام 2040، ستحتاج السيارات الكهربائية وحدها الى ما يزيد عن 1,900 تيراواط. ساعة من الكهرباء وهذا يعادل 10% من الكهرباء التي أنتجتها البشرية العام الماضي فمن أين ستأتي كل هذه الكهرباء؟

 

إلا أن المفاجأة في هذه المنافسة الشرسة كانت لجوء معظم الدول إلى ضخ استثمارات هائلة في مشروعات توليد الطاقة النظيفة والمتجددة والتي تتوفر في معظم البلدان للتحرر من سطوة لوبي شركات البترول والتي في كثير من الأحيان تستخدمها الدول العظمى كوسيلة ضغط سياسية واقتصاديةخاصة على العديد من الدول النامية.

 

وفي دراسة تفصيلية أجرتها مجموعة من المتخصصين في (Frankfurt School-UNEP Centre/BNEF. 2020) بالتعاون مع (Bloomberg NEF) وبدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة والحكومة الألمانية بعنوان "الاتجاهات العالمية للاستثمار في الطاقة المتجددة 2020". وجاء فيه أن إجمالي حجم الطاقة المتجددة التي تم توليدها تضاعف "أربع مرات" تقريبًا خلال العقد الذي بدأ من 2010. بل إنه في عام 2019 وحده، قفز حجم هذه الطاقة بمقدار184 جيجاواط لتصل إلى 1,627 جيجاواط.

 

وكانت هذه أعلى زيادة مسجلة، حيث فاقت حجم الزيادة التي تمت في 2018 بحوالي 20 جيجاوات. وقد توسعت حجم الطاقة الشمسية على مستوى العالم بما يقدر بـ 118 جيجاواتفي عام 2019 وحده، وهو أكبر توسع تم تسجيله، وأضافت طاقة الرياح 61 جيجا واط.

 

وعلى مدار العقد أيضا، تضاعفت الطاقة الشمسية 26 ضعفًا، بينما تضاعفت طاقة الرياح "أربع مرات". حيث أضافت الطاقة الشمسية أكبرقدرة جديدة في جميع أنحاء العالم بما قيمته 625 جيجاوات خلال العقد وهي أكثر من أي مصدر أخر لتوليد الطاقة بما في ذلك الفحم، أو الغاز أو الطاقة المائية أو النووية أو الرياح كما هو موضح بالرسم البياني التالي:

 


 

وللحصول على هذه النتائج الهائلة كان لابد من تخصيص استثمارات هائلة أيضا والشكل التالي يوضح المقارنة بين حجم الاستثمارات في الطاقة المتجددة والقدرة المضافة من هذا الاستثمارات، خلال الفترة من (2005– 2019).

 


 

ولكي نتخيل حجم المشاريع العملاقة لتوليد الطاقة المتجددة والاستثمارات المخصصة لها سوف أذكر هنا بعض النماذج لهذه المشاريع العملاقة وباختصار شديد كما جاء في موقع ((NES Fircroft على سبيل المثال:

 

1.  محطة (Wudongde) للطاقة الكهرومائية، الصين

بدأ إنشاء السد عام 2014 وبتكلفة 15.4 مليار دولار ومن المقرر أن يبدأ في إنتاج الطاقة من المرحلة الأولى في يوليو من هذا العام ثم العمل بكامل طاقته بحلول ديسمبر 2021.

 

ولقد تم تصنيفه أيضًا على أنه "أذكى" محطة ضخمة للطاقة الكهرومائية في العالم. لإنه أول من يستخدم الأسمنت منخفض الحرارة بالكامل الذي يتحمل اختلافات كبيرة في درجات الحرارة مما يمنع التصدع، ويجعل السد أكثر أمانًا.

 

يحتوي السد على 12وحدة توليد ستنتج 38.9 مليار كيلوواط من الكهرباء سنويًا، سيعوض السد استخدام 12.2 مليون طن من الفحم القياسي ويقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 30.5 مليون طن سنويًا، وانبعاثات ثاني أكسيد الكبريت بمقدار 104,000 طن سنويًا.

 

2.  مشروع (Inga 3) للطاقة الكهرومائية، جمهورية الكونغو الديمقراطية

 

هو أكبر مشروع كهرباء في أفريقيا حتى الآن، وبتكلفة 14 مليار دولار. سيبدأ المشروع بتوليد 4,800 ميجاوات في المرحلة الأولى، ثم 7,500 ميجاوات وفي المرحلة الثالثة يصل إنتاجه إلى 11,000 ميجاوات. وسوف يكتمل في عام 2024.

 

3.  محطة (Keeyask) للطاقة الكهرومائية، كندا

 

بدأ إنشاء السد على نهر Nelson في عام 2014 بتكلفة 8.7 مليار دولار لكي ينتج 695 ميجاواط وتصل إلى 4,400 جيجا واط. ساعة سنويا.

 

4.  مشروع (Hornsea – 2)، لتوليد الطاقة من الرياح البحرية، المملكة المتحدة

 

بدأ إنشاء المشروع منذ أغسطس 2015 وبتكلفة تصل إلى 7.8 مليار دولار. ومن المقرر تركيب 165 توربينًا في أعماق مائية تتراوح بين 30 مترًا و40 مترًا وبارتفاع رأسي يبلغ 204 مترًا وبطاقة اسمية تبلغ 8,000 كيلو وات. ستصل القدرة الإجمالية الى 1,386 ميجاوات ويبدأ التشغيل في العام القادم.

 

5.  مشروع غانا للطاقة الموجية

 

بدأ بناء محطة الطاقة التي تولد الكهرباء من الموجات البحرية في مايو 2015 بسعة إجمالية تبلغ 100 ميجاوات وبتكلفة 7.5 مليار دولار.

 

6.  مزرعة الرياح (Ulanqab)، الصين

بدأ البناء في عام 2018 بتكلفة 6.2 مليار دولار وتهدف مزرعة الرياح إلى توفير 18.9 مليار كيلووات ساعة سنويًا.

 

7.  مشروع (TritonKnoll) لتوليد الطاقة من الرياح البحرية، المملكة المتحدة

 

بدأ البناء في يناير 2020 بتكلفة 6 مليار دولار. ستولد مزرعة الرياح 860 ميجاوات من خلال 90 توربينًا، تبلغ طاقة كل منها 9.5 ميجاوات. سيتم تركيبها في مياه المحيط بأعماق تتراوح بين 18م و24م.

 

8.  حديقة (Tengger Desert) للطاقة الشمسية، الصين

 

ويطلق عليها اسم "سور الطاقة الشمسية العظيم" فهي تضم حاليًا أكثر من 20 محطة طاقة كهروضوئية متكاملة، تولد ما يصل إلى 1,547 ميجاوات - أكثر من أي مزرعة شمسية أخرى في العالم.

 

9.  مشروع (Leh and Kargil) للطاقة الشمسية، الهند

 

هي أحد مشاريع الطاقة الشمسية العملاقة لتوليد 7.5 جيجاواط وبتكلفة 6 مليار دولار.

 

10.مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية (SOLARABIC)، دبي

 

يقع المشروع في صحراء دبي لتوليد 5,000 ميجاواط،وبتكلفة 13.6 مليار دولارعلى مراحل متعددة وحتى نهاية المرحلة السادسة حاليا يتم توليد 1,500 ميجاواط ومن المقرر أن يصل إلى كامل طاقته بحلول عام 2030.

 

11.مشروع (Ivanpah) للطاقة الشمسية - الولايات المتحدة الأمريكية

 

عبارة عن ثلاث محطات لتوليد الطاقة الشمسية شمسية تقع على حدود كاليفورنيا / نيفادا. بدأ المشروع في أكتوبر 2010 وانتهى في ديسمبر 2013. وتستطيع الحقول الثلاثة معًا توليد ما يصل إلى 392 ميجاوات من الطاقة. القدرة المكافئة من محطة تعمل بالوقود الأحفوري ستنبعث منها ما يصل إلى 400,000 طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

 

12.مشروع (Benban)، مصر

 

ومسك الختام، مشروع "بنبان" بالقرب من مدينة أسوان في جنوب مصر، على أرض تقارب مساحتها 37 كيلومتراً مربعاً. ويضم 40 محطة طاقة شمسية كهروضوئية بلغت طاقتها الإجمالية حتى نهاية العام الماضي 2,000 ميجاوات من الكهرباء، أي ما يوازي 90% من الطاقة التوليدية للسدّ العالي.وتقدّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 4 مليار دولار.ويساهم المشروع في تفادي 2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

 

وحتى أن أكبر الدول انتاجا للبترول قامت باستثمار مبالغ ضخمة في مشاريع الطاقة المتجددة ومنها "السعودية" التي بدأت في إنشاء أكبر مشروع للطاقة الشمسية على مستوى العالم بشراكة يابانية لإنتاج 200 جيجا واط بتكلفة تصل إلى 200 مليار دولار حتى عام 2030.  ومشاريع أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.

 

كل هذه المشاريع مع العشرات من مشاريع توليد الطاقة النظيفة التي مازالت تحت الانشاء أو في مراحل التطوير في العديد من الدول على مستوى العالم والتي يتم فيها الاستغناء عن البترول والغاز الطبيعي تدريجيا قد صنعت ثورة مستمرة في خفض تكلفة انتاج الطاقة الكهربائية، ليس فقط تكلفة شراء المعدات وبناء المشروعات ولكن أيضا من خلال تطوير أنظمة تمويلها وتشغيلها وصيانتها بالإضافة إلى استخدام أحدث تكنولوجيا في هذه المجالات كما هو موضح في الشكل التالي:

 


 

فعلى سبيل المثال، وطبقا لنظام الحساب القياسي العالمي لتكلفة الكهرباء (LCOE)، فقد وصلت تكلفة توليد الطاقة من الرياح البرية إلى47 دولارًا لكل ميجاوات. ساعة في النصف الثاني من العام الماضي، وفقًا لـدراسة قامت بها (Bloomberg NFE).حيث انخفضت هذه التكلفة بنسبة 10% عن نفس الفترة من عام 2018، وبنسبة 49% أقل مما كانت عليه في النصف الثاني منعام 2009.

 

وأما تكلفة توليد الطاقة من الرياح البحرية فقد وصلت إلى 78 دولار لكل ميجاواط. ساعة في عام 2019 بانخفاض32% عن عام 2018، و 51%عن النصف الثاني من عام 2009.

 

هذه المشاريع العملاقة والاستثمارات الضخمة في مصادر الطاقة المتجددة مع الانخفاض الواضح في تكلفة الطاقة من هذه المصادر تشير إلى نتيجة واحدة وهي أن هناك تغيير جذري في استراتيجية الدول وتخليها الواضح عن دعم صناعة البترول وهو ما يؤكد أن صناعة البترول في طريقها للاضمحلال عاما بعد عام.

 

فهل سبب هذا التغيير هو طمأنة معنويات المستثمرين المتشددة تجاه انبعاثات الكربون والمخاوف المتزايدة بشأن تغير المناخ خاصة بعد اتفاقية "باريس" وبعد تأكيد جميع الأبحاث أن غازات الاحتباس الحراري الناتجة من احتراق المواد البترولية هي السبب الرئيسي للكوارث الطبيعية وفساد كلا من البيئة والصحة العامة للإنسان وأن خفضها أصبح قضية مصيرية لكل سكان الكرة الأرضية؟

 

أم أن إقبال معظم الدول على الاستثمار في مشاريع عملاقة للطاقة النظيفة من المصادر الطبيعية التي وهبها الله للناس جميعا دون مقابل وبأرصدة مفتوحة، هو فرصة ذهبية للعديد من الدول لكي تتحرر من نفوذ وسيطرة الدول الكبرى على قراراتها باستغلال البترول سياسيا واقتصاديا خاصة مع التقدم التكنولوجي الهائل في مجالات توليد الطاقة المتجددة؟

 

وهل وقفت شركات البترول مكتوفة الأيدي وهي ترى أرباحها ومستقبلها في انهيار سريع يوما بعد يوم؟

 

الإجابة على هذه الأسئلة هو موضوع الحلقة القادمة من هذه السلسلة حول استراتيجية تنمية صناعة السيارات الكهربائية إن شاء الله.

 

للمزيد: الحلقات السابقة من استراتيجية صناعة السيارات الكهربائية

 

 

تطوير استراتيجية انتشار السيارات الكهربائية في ظل التحديات الأخيرة

 

يمكن للشحن في المنازل أن يدعم صناعة وانتشار السيارات الكهربائية ولكن!!

 

إمبراطوريات صناعة البترول في مواجهة السيارات الكهربائية

 

النقطة الحرجة في الصدام المتوقع بين السيارات الكهربائية وشركات البترول (4)

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>