في أحد أكثر شوارع القاهرة ازدحامًا، وبالقرب من سنترال رمسيس، تقف اليوم سيارة -التقط صورتها الزميل ايمن برايز مصور الاهرام ونشرها على صفحته بالفيس بوك - لا تبدو للوهلة الأولى سوى هيكل قديم أنهكه الصدأ والإهمال، لكن هذه السيارة تحمل اسمًا ارتبط لعقود بتاريخ السينما المصرية.
إنها فيات 1100 موديل 1966، سيارة الفنانة الراحلة سعاد حسني، التي انتقلت من شوارع القاهرة في عصر كانت فيه «السندريلا» واحدة من أبرز نجمات السينما المصرية، إلى مصير مختلف تمامًا، بعدما أصبحت اليوم محاصرة بالغبار والقمامة والإهمال.
السيارة السوداء التي رافقت سعاد حسني في مرحلة مبكرة من حياتها لم تعد تشبه كثيرًا السيارة التي كانت تجوب بها شوارع القاهرة قبل نحو ستة عقود. فقد تآكلت أجزاء من هيكلها، واختفت ملامح كثيرة من حالتها الأصلية، بينما أصبحت بقاياها شاهدة على سنوات طويلة من الإهمال.
والمفارقة هنا لا تتعلق فقط بسيارة كلاسيكية قديمة، بل بقطعة ارتبطت بإحدى أهم نجمات الفن المصري، قبل أن ينتهي بها الحال إلى جوار القمامة.
سيارة من زمن السندريلا
تعود فيات 1100 إلى ستينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي كانت فيها سعاد حسني تشق طريقها بقوة نحو النجومية وتتحول تدريجيًا إلى واحدة من أشهر نجمات السينما المصرية.
وكانت السيارة، في ذلك الوقت، وسيلة تنقل عملية وبسيطة، قبل أن تتحول بعد مرور العقود إلى جزء من الذاكرة المرتبطة بحياة الفنانة.
ويرتبط اسم السيارة أيضًا بعدد من الحكايات المتداولة حول حياة سعاد حسني وعلاقتها بالفنان الراحل عبد الحليم حافظ، ما منحها بمرور الوقت قيمة رمزية تتجاوز كونها مجرد سيارة كلاسيكية.
لكن أهم ما يميز السيارة اليوم هو أنها ليست مجرد فيات 1100 قديمة، وإنما سيارة ارتبطت باسم سعاد حسني نفسها، وهو ما يجعل حالتها الحالية أكثر إثارة للأسف والاهتمام في الوقت نفسه.
من سيارة للنجمة إلى هيكل مهمل
عندما كانت السيارة في الخدمة، لم يكن أحد يتخيل أن تصل بعد نحو 60 عامًا إلى هذه الحالة.
أما اليوم، فتبدو آثار الزمن واضحة على الهيكل، بينما تحاصرها القمامة وتغطي الأتربة أجزاءها المختلفة. ولم تعد المقصورة أو الطلاء أو المكونات الخارجية تحتفظ بسهولة بالمظهر الذي كانت عليه في الستينيات.
وبالنسبة إلى سيارة عادية، قد يكون هذا المصير مفهومًا في ظل مرور عقود طويلة على إنتاجها. لكن عندما يتعلق الأمر بسيارة سعاد حسني، فإن المشهد يكتسب دلالة مختلفة؛ فكل جزء متبقٍ منها يمكن أن يمثل وثيقة مادية على فترة من تاريخ واحدة من أشهر الفنانات في مصر.
فيات 1100.. كيف كانت السيارة في عصرها؟
من الناحية الهندسية، تنتمي فيات 1100 إلى جيل السيارات الأوروبية البسيطة التي ظهرت في منتصف القرن الماضي.
وتعتمد السيارة على محرك بنزين رباعي الأسطوانات بسعة تقارب 1.1 لتر، وتختلف القدرة بحسب النسخة والمواصفات، بينما تنتقل القوة عبر ناقل حركة يدوي من أربع سرعات.
ولا تحتوي السيارة على التعقيدات الإلكترونية الموجودة في السيارات الحديثة، وهو ما كان يجعل صيانتها أكثر بساطة، كما يسمح بإصلاح العديد من مكوناتها باستخدام أدوات ميكانيكية تقليدية.
وهذه البساطة هي أحد الأسباب التي تجعل فيات 1100 سيارة محبوبة لدى هواة السيارات الكلاسيكية حتى اليوم.
صاج وميكانيكا من عصر مختلف
اعتمدت السيارة على هيكل معدني تقليدي، مع منظومة ميكانيكية بسيطة مقارنة بما نعرفه في السيارات الحديثة.
لكن هذه المزايا لا تعني أن إعادة السيارة إلى الطريق ستكون مهمة سهلة.
فبعد عقود من الإهمال، يحتاج أي مشروع لترميم سيارة سعاد حسني إلى فحص الهيكل بالكامل بحثًا عن الصدأ والتآكل، ثم تقييم المحرك وناقل الحركة والتعليق والفرامل والنظام الكهربائي.
وتزداد صعوبة المهمة مع مرور الوقت، خصوصًا في ظل صعوبة العثور على قطع غيار أصلية لسيارة يعود إنتاجها إلى ستينيات القرن الماضي.
هل يمكن إنقاذ سيارة سعاد حسني؟
نعم، من الناحية الفنية يمكن ترميم سيارة بهذا العمر إذا كان هيكلها الأساسي قابلًا للإنقاذ، لكن المشروع سيكون مكلفًا ومعقدًا، خصوصًا إذا كان الهدف إعادة السيارة إلى أقرب صورة ممكنة من حالتها الأصلية.
الترميم الحقيقي لا يعني تشغيل المحرك فقط، وإنما إعادة بناء السيارة بصورة متكاملة، بداية من الهيكل والطلاء، مرورًا بالميكانيكا والكهرباء، وصولًا إلى المقصورة والتفاصيل الصغيرة.
وفي حالة سيارة سعاد حسني تحديدًا، فإن الحفاظ على أكبر قدر ممكن من القطع الأصلية سيكون أكثر أهمية من مجرد جعلها سيارة قابلة للقيادة.
كم تساوي سيارة سعاد حسني؟
يصعب تقييم هذه السيارة بالطريقة التقليدية نفسها التي يتم بها تقييم السيارات المستعملة. فلو كانت مجرد فيات 1100 موديل 1966 في هذه الحالة المتدهورة، فإن قيمتها المادية ستكون محدودة، وقد ينظر إليها البعض باعتبارها مصدرًا لقطع الغيار أو الخردة.
لكن كونها سيارة سعاد حسني يغير المعادلة بالكامل. فقيمة السيارة التاريخية قد تتجاوز بكثير قيمة الحديد والمكونات الميكانيكية، خصوصًا إذا كانت هناك مستندات وصور أو أدلة أرشيفية تثبت ملكيتها للفنانة.
وفي هذه الحالة، يصبح المشتري أو المرمم أمام قطعة مرتبطة بتاريخ السينما المصرية، وليس أمام سيارة قديمة فقط.
هل تستحق الترميم؟
بالنسبة إلى شخص يبحث عن سيارة للاستخدام اليومي، ربما لا تكون عملية الترميم منطقية اقتصاديًا. أما إذا كان الهدف هو الحفاظ على جزء من تاريخ مصر، فالقصة مختلفة.
سيارة سعاد حسني لا تحتاج فقط إلى إصلاح محركها أو إعادة طلاء هيكلها؛ إنها تحتاج إلى إنقاذ قصتها قبل أن تختفي معها.
فكل عام إضافي تقضيه السيارة في الشارع يعني مزيدًا من الصدأ والتلف، وربما فقدان أجزاء أصلية لن يكون من السهل تعويضها.
سيارة سعاد حسني.. من الذاكرة إلى القمامة
ربما تكون الصورة الأكثر اختصارًا للقصة هي تلك المفارقة: سيارة ارتبطت في يوم من الأيام باسم «السندريلا»، إحدى أيقونات السينما المصرية، تقف اليوم وسط مشهد لا يليق بتاريخها.
من شوارع القاهرة في ستينيات القرن الماضي، إلى جوار القمامة بعد نحو ستة عقود، قطعت فيات 1100 الخاصة بسعاد حسني رحلة طويلة تختصر جانبًا من تغير المدينة والسيارات والمجتمع المصري.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: كم تساوي سيارة سعاد حسني؟
السؤال الأهم هو: هل سيتم إنقاذها قبل أن تتحول آخر قطعة مادية من ذكريات السندريلا إلى مجرد خردة؟
إذا كانت هذه السيارة قد بقيت بالفعل حتى اليوم، فإن ترميمها لا يعني إعادة سيارة كلاسيكية إلى الطريق فحسب، بل يمكن أن يعني استعادة قطعة من تاريخ سعاد حسني، ومن ذاكرة القاهرة، ومن العصر الذهبي للسينما المصرية.