Close ad

صناعة السيارات الألمانية تفقد آلاف الوظائف.. الأزمة تضرب المصانع والموردين

14 اغسطس 2026

.

تتسارع خسائر الوظائف داخل صناعة السيارات الألمانية، مع دخول القطاع مرحلة إعادة هيكلة واسعة لم تعد تقتصر على مصنع أو شركة بعينها، بل امتدت من خطوط الإنتاج إلى الإدارات ومراكز التطوير وشركات المكونات، وسط ضغوط متزايدة من ضعف الطلب وارتفاع التكاليف والمنافسة الصينية والتحول الصعب نحو السيارات الكهربائية.

وتشير أحدث البيانات إلى أن قطاع السيارات كان الأكثر تضررًا بين الصناعات الألمانية، بعدما فقد نحو 32 ألف وظيفة خلال عام واحد حتى نهاية الربع الأول من 2026، فيما ارتفع إجمالي الوظائف التي اختفت من القطاع منذ 2019 إلى نحو 125.8 ألف وظيفة.

وتكشف الأرقام عن اتجاه أعمق من مجرد موجة تسريح مؤقتة، إذ تتوقع رابطة صناعة السيارات الألمانية «VDA» إمكانية فقدان 125 ألف وظيفة إضافية بحلول 2035 إذا لم تتحسن القدرة التنافسية للصناعة، بما قد يرفع إجمالي الانخفاض في العمالة منذ 2019 إلى نحو 225 ألف وظيفة.

فولكس فاجن في قلب موجة التخفيضات

تأتي «فولكس فاجن» في مقدمة الشركات التي تتحرك لتقليص أعداد العاملين وخفض تكاليفها، بعدما أصبحت المجموعة تواجه ضغوطًا كبيرة مرتبطة بتراجع قدرتها التنافسية، خصوصًا في الصين، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل داخل ألمانيا.

وتعمل المجموعة بالفعل على تنفيذ تخفيضات واسعة في العمالة، فيما تدرس الإدارة إجراءات إضافية قد ترفع عدد الوظائف التي يجري الاستغناء عنها بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع خطط لإعادة النظر في الطاقة الإنتاجية وعدد المصانع والطرازات التي تنتجها المجموعة.

ولا تتركز التخفيضات في عمال المصانع فقط، إذ تشمل بصورة متزايدة الوظائف الإدارية والتطوير والهندسة والمبيعات، في محاولة لتقليل الهيكل الإداري وخفض النفقات غير المباشرة.

بورش تقلص واحدًا من كل 5 وظائف

حتى شركات السيارات الفاخرة لم تعد بعيدة عن الأزمة، إذ أعلنت «بورش» خطة لخفض نحو 9 آلاف وظيفة بحلول 2035، بما يعادل قرابة خمس قوتها العاملة المسجلة في نهاية 2024.

وتأتي الخطوة بعد تراجع مبيعات الشركة، خصوصًا في السوق الصينية، إلى جانب الصعوبات التي واجهتها استراتيجيتها للسيارات الكهربائية، وهو ما دفعها إلى إعادة ترتيب خطط الإنتاج والاستثمار والعمالة.

كما أعلنت «BMW» بدورها خطة لتقليص عدة آلاف من الوظائف في ألمانيا حتى نهاية 2027، تتركز بشكل أساسي في الإدارات وقطاعات التطوير، مع استبعاد عمليات الإنتاج من البرنامج الحالي.

الصين تغير قواعد اللعبة

تقف المنافسة الصينية خلف جانب رئيسي من التحول الذي يضرب صناعة السيارات الألمانية، بعدما أصبحت الشركات المحلية الصينية أكثر قدرة على تقديم سيارات كهربائية ومتطورة تكنولوجيًا بأسعار تنافسية، في الوقت الذي تواجه فيه العلامات الألمانية صعوبة في الحفاظ على حصتها داخل السوق الصينية نفسها.

وتتزايد المشكلة مع اعتماد شركات ألمانية كبرى لسنوات طويلة على الصين كمصدر رئيسي للنمو والأرباح، قبل أن تتغير المعادلة مع صعود شركات السيارات الكهربائية الصينية وتراجع الطلب على عدد من الطرازات الأوروبية التقليدية.

وتواجه «BMW» و«مرسيدس بنز» و«بورش» و«فولكس فاجن» ضغوطًا متباينة في الصين، ما دفع الشركات إلى مراجعة استراتيجياتها وأسعارها وخطط المنتجات المخصصة لهذا السوق.

التحول الكهربائي لا يصنع العدد نفسه من الوظائف

ويضيف الانتقال من محركات الاحتراق الداخلي إلى السيارات الكهربائية تحديًا آخر لسوق العمل، إذ تتطلب السيارة الكهربائية عددًا أقل من المكونات الميكانيكية التقليدية، وبالتالي عددًا أقل من العمليات المرتبطة بالمحركات وناقلات الحركة وأنظمة الوقود والعادم.

ويظهر التأثير بصورة أكبر لدى شركات قطع الغيار والموردين الذين بنوا أعمالهم لعقود حول مكونات محركات البنزين والديزل، بينما يحتاج التحول إلى البطاريات والبرمجيات والإلكترونيات إلى مهارات واستثمارات مختلفة.

وأظهر مسح لرابطة صناعة السيارات الألمانية أن الموردين أصبحوا أكثر حذرًا تجاه الاستثمار والتوظيف، مع توقع نحو ثلث الشركات التي شملها المسح تدهور ظروف الأعمال.

تكلفة الإنتاج في ألمانيا تزيد الضغوط

ولا تتعلق المشكلة بالتكنولوجيا وحدها، إذ تعاني صناعة السيارات من ارتفاع أسعار الطاقة والأجور والتكاليف التنظيمية، وهو ما يزيد الفجوة بين تكلفة التصنيع داخل ألمانيا وعدد من الأسواق المنافسة.

وتحذر رابطة صناعة السيارات الألمانية من أن استمرار ضعف تنافسية ألمانيا كموقع صناعي قد يدفع مزيدًا من الاستثمارات والوظائف إلى الخارج، خاصة مع قدرة الشركات على إنشاء خطوط إنتاج جديدة في أسواق أقل تكلفة أو أقرب إلى مناطق نمو الطلب.

أزمة تتجاوز شركات السيارات الكبرى

الأكثر خطورة أن موجة فقدان الوظائف لا تقتصر على الأسماء المعروفة مثل «فولكس فاجن» و«BMW» و«بورش» و«مرسيدس بنز»، بل تمتد إلى شبكة ضخمة من موردي المكونات والخدمات والهندسة.

وتعتمد مدن ومناطق صناعية كاملة في ألمانيا على نشاط السيارات، ما يعني أن أي تخفيض في الإنتاج لدى شركة كبرى ينتقل سريعًا إلى الموردين وشركات الخدمات والنقل والمصانع الصغيرة المحيطة بها.

لهذا لم يعد الجدل داخل ألمانيا يدور حول ما إذا كانت صناعة السيارات ستفقد وظائف إضافية، بل حول حجم الخسائر ومدى قدرة القطاع على تعويضها بوظائف جديدة في البطاريات والبرمجيات والسيارات الكهربائية.

وتبقى الصناعة الألمانية أمام معادلة صعبة: خفض التكلفة بالسرعة الكافية لمنافسة الصين، والاستثمار بمليارات اليورو في التكنولوجيا الجديدة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صناعة كانت لعقود واحدة من أكبر مصادر الوظائف والصادرات في أكبر اقتصاد أوروبي.

مقال رئيس التحرير

بقلم هشام الزيني

"الصين +1 "