لسنوات طويلة، كانت أوروبا تنظر للسيارات الصينية باعتبارها منتجًا رخيصًا لا يضاهي الجودة الألمانية أو الفرنسية، لكن هذا المشهد تغيّر بشكل جذري خلال الأعوام القليلة الماضية خاصة في 2026، فبدلاً من أن تكتفي الشركات الصينية بتصدير سياراتها إلى السوق الأوروبية، بدأت تدخل من الباب الخلفي عبر شراء حصص في الشركات الأوروبية، وعقد صفقات تصنيع مشتركة، وفرض تكنولوجيتها كشرط أساسي لاستمرار بعض العلامات التجارية العريقة في المنافسة.
وأكدت تقارير حديثة صادرة خلال عام 2026، كيف تحوّلت الصين من مجرد "مصدّر سيارات" إلى لاعب أساسي داخل بنية صناعة السيارات الأوروبية نفسها، حيث ذكرت وكالة Reuters أن التحالفات بين الشركات الأوروبية والصينية لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية بقاء العديد من الشركات الأوروبية في ظل المنافسة العالمية المتزايدة.
الأرقام تتحدث: حصة صينية غير مسبوقة في السوق الأوروبية
وبحسب بيانات رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA)، سجّلت العلامات المملوكة لشركات صينية خلال أول خمسة أشهر من عام 2026 نحو 619 ألف سيارة في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ومنطقة التجارة الحرة الأوروبية، أي ما يقارب 10.6% من إجمالي السوق، كما أن شركات مثل BYD وSAIC (المالكة لعلامة MG) وChery وLeapmotor وGeely Group حققت جميعها نموًا ملحوظًا خلال هذه الفترة.
والمثير أن BYD وحدها سجّلت في مايو 2026 زيادة سنوية بنسبة 136.6% في عدد السيارات المسجّلة، متفوقة على شركة Tesla التي كانت تتصدر السوق قبل عام واحد فقط، وبحسب تقرير آخر، فإن حصة الصين في سوق أوروبا الغربية للسيارات وصلت إلى 8.6% في الربع الأول من 2026، أي ضعف حصتها في العام السابق تقريبًا.
وهذا النمو المتسارع لم يعد مجرد “غزو تجاري” عبر التصدير، بل تحوّل إلى استراتيجية أعمق: الدخول في رأس مال الشركات الأوروبية ذاتها.
استثمارات صينية كبرى داخل أشهر العلامات الأوروبية
كما تُعد مجموعة Geely الصينية أبرز مثال على هذا التحول، بعدما استحوذت قبل سنوات على شركة Volvo Cars السويدية بالكامل، ثم أصبحت تمتلك نحو 9.7% من أسهم Mercedes-Benz، في خطوة منحتها نفوذًا داخل واحدة من أكبر شركات السيارات الفاخرة في العالم.
ولم تتوقف الشراكات عند ذلك، إذ أسست Renault مع Geely شركة Horse Powertrain المتخصصة في تطوير وإنتاج المحركات الهجينة ومحركات الاحتراق الداخلي، وهو تعاون يعكس اعتمادًا متبادلًا بين الجانبين بدلاً من المنافسة التقليدية.
أما مجموعة Stellantis، المالكة لعلامات مثل بيجو وأوبل وفيات وجيب، فقد عززت تعاونها مع شركة Leapmotor الصينية، بعد استثمارها فيها وتأسيس مشروع مشترك لتسويق وإنتاج سيارات كهربائية داخل أوروبا، مع خطط لتصنيع بعض الطرازات في مصانع إسبانيا.
الرئيس التنفيذي لشركة Stellantis، أنطونيو فيلوسا، وصف هذه الشراكة بأنها “المستوى التالي”، مؤكدًا أن الشركات الصينية أصبحت لاعبًا قويًا يأتي بنفوذ كبير إلى أوروبا، لكنه لم يستبعد شراكات مماثلة مع أطراف أخرى غير صينية، ووصفت وكالة Reuters هذه الشراكة بأنها نموذج قد يتكرر مع شركات صينية أخرى خلال السنوات المقبلة.
التكنولوجيا الصينية تتسلل أيضا للقارة العجوز
ووفقا لتقرير معهد Spiegel الألماني، عقدت فولكس فاجن شراكة تكنولوجية مع Xpeng هدفها الوصول إلى تقنيات الشركة الصينية في مجالي القيادة الذاتية والبنية الرقمية الذكية للسيارات، بهدف تسريع تطوير طرازين كهربائيين جديدين مخصصين للسوق الصينية.
والأهم من ذلك أن فولكس فاجن ليست غريبة عن الاستثمار المباشر في الشركات الصينية: فقد استحوذت منذ عام 2020 على حصة أغلبية في شركة Gotion High-Tech الصينية المتخصصة في تصنيع البطاريات، لتصبح شريكًا استراتيجيًا لها، وفي نفس الوقت، تدير شركة CATL الصينية، أكبر مصنّع بطاريات في العالم، أول مصنع لها خارج الصين في ولاية تورينجيا الألمانية منذ نهاية 2022، ليصبح واحدًا من أكبر مصانع البطاريات في أوروبا بأكملها.
وهذا النمط يوضح أن الاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا الصينية لم يعد مقتصرًا على السيارات الجاهزة، بل امتد إلى المكوّن الأهم في صناعة السيارات الكهربائية: البطارية نفسها.
وكشفت تقديرات وردت في تقرير European Business Magazine عن أن الاستثمارات الصينية في تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية داخل أوروبا تجاوزت 30 مليار يورو خلال عام 2026 وحده، في وقت تراجعت فيه مبيعات السيارات الأوروبية من 15.3 مليون سيارة عام 2019 إلى أقل من 13 مليون سيارة عام 2025، ما ترك مصانع عملاقة مثل فولكس فاجن وفورد ونيسان وStellantis تعاني من طاقة إنتاجية فائضة تبحث عمّن يشغّلها.
لماذا تحتاج أوروبا إلى الصين؟
ويرى في هذا الشأن؛ محللون أن السبب لا يقتصر على انخفاض تكلفة الإنتاج في الصين، بل يمتد إلى تفوق الشركات الصينية في تقنيات البطاريات والبرمجيات وسرعة تطوير السيارات الكهربائية.
كما تواجه شركات أوروبية عريقة ضغوطًا كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة، إلى جانب تباطؤ المبيعات في بعض الأسواق، ووفقًا لتقرير نشرته Financial Times، أصبحت بعض الشركات الأوروبية ترى في التعاون مع المصنعين الصينيين فرصة لتقليل التكاليف والحفاظ على قدرتها التنافسية، رغم المخاوف المتعلقة بالاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الصينية.
الصين لا تبحث عن التصدير فقط
وفي الوقت نفسه، لم تعد الشركات الصينية تكتفي بتصدير السيارات إلى أوروبا، بل تسعى لإنشاء مصانع داخل القارة، حيث كشفت Reuters عن أن BYD تدرس التوسع عبر الاستحواذ على مصنع أوروبي، إلى جانب إنشاء خطوط إنتاج جديدة لتلبية الطلب المحلي والالتزام بقواعد التصنيع الأوروبية، بينما تواصل علامات مثل Chery وLeapmotor توسيع حضورها داخل السوق الأوروبية.
الصين أم أوروبا.. من يملك المستقبل؟
المشهد اليوم يوضح أن الصين لم تعد تكتفي بمنافسة صناعة السيارات الأوروبية من الخارج، بل أصبحت جزءًا من نسيجها الداخلي عبر حصص في Leapmotor وربما مازيراتي، تكنولوجيا Xpeng داخل فولكس فاجن، بطاريات Gotion وCATL تغذي المصانع الألمانية، ومحادثات مستمرة مع فورد وStellantis.
وبينما تتسابق الشركات الصينية لتثبيت أقدامها قبل تشديد القواعد الأوروبية، يبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل ستنجح أوروبا في تحويل هذه الشراكات إلى فرصة لإعادة بناء صناعتها، أم أنها تسير -دون قصد- نحو التخلي عن مقود صناعة السيارات لصالح شريك أصبح أقوى مما كان متوقعًا؟
وبالنسبة للمستهلك المصري، قد ينعكس هذا التحول بشكل إيجابي خلال السنوات المقبلة، فالتعاون بين الشركات الأوروبية والصينية قد يؤدي إلى طرح سيارات صينية بجودة أعلى بفضل الخبرات الأوروبية، وفي المقابل ستستفيد بعض الطرازات الأوروبية من التقنيات الصينية المتقدمة، خاصة في مجالات البطاريات وأنظمة القيادة الذكية، كما أن زيادة هذا التعاون قد تعزز توافر قطع الغيار، وترفع مستوى الثقة في العلامات الصينية داخل الأسواق العربية، لتصبح المنافسة مستقبلًا قائمة على التكنولوجيا والجودة، وليس السعر فقط.