Close ad

«كلاب الشوارع.. والحل العملي»

خلال الأيام الماضية تابعت باهتمام بالغ حجم التفاعل الكبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول كيفية مواجهة ظاهرة كلاب الشوارع، وهو ما يعبر عن خطورة المشكلة وحجم القلق المجتمعي المرتبط بها.

اللافت للنظر أن الآراء المطروحة جاءت متباينة بصورة كبيرة، فهناك من طالب بإنشاء ملاجئ لإيواء الكلاب، وآخرون رأوا أن القتل أو التسميم هو الحل الأسرع، بينما اتجه فريق ثالث إلى المطالبة بالتعقيم والتطعيم، وطرح البعض فكرة التصدير، في حين ركز كثيرون على ضرورة إزالة القمامة والمخلفات باعتبارها المصدر الأساسي لتجمع الكلاب وتكاثرها. 

كما حضرت بقوة مناقشات حقوق الحيوان، والآراء الشرعية، ودور جمعيات الرفق بالحيوان، إضافة إلى التساؤلات المرتبطة بالتكلفة الاقتصادية لأي خطة قومية للتعامل مع الأزمة.

هذا الجدل الواسع دفعني إلى مراجعة عدد من التجارب الدولية الموثقة في مواجهة ظاهرة كلاب الشوارع، وكانت النتيجة واضحة: لا توجد دولة نجحت عبر حل منفرد أو إجراء سريع، بل إن النجاح تحقق من خلال خطط طويلة المدى تجمع بين الإدارة العلمية والتنظيم المجتمعي والاستمرارية.

في هولندا، التي تعد من أبرز النماذج العالمية شبه الخالية من الكلاب الضالة، لم يتحقق النجاح عبر القتل الجماعي، وإنما من خلال منظومة متكاملة تضمنت فرض قوانين صارمة على شراء الكلاب، وفرض عقوبات على التخلي عنها، إلى جانب حملات تعقيم مجانية وملاجئ فعالة، بل وتخصيص وحدات شرطية معنية بالحيوان في بعض المدن.

أما العاصمة التايلاندية بانكوك، فقد واجهت أعداداً ضخمة من الكلاب الحرة، واعتمدت برنامج «الإمساك والتعقيم والتطعيم» ثم إعادة الكلب إلى منطقته، وهو ما يعرف عالمياً بنظام CNVR، وأثبتت الدراسات أن هذا الأسلوب يحقق نتائج تدريجية حقيقية إذا استمر لسنوات مع تغطية واسعة لأعداد الكلاب.

وفي تركيا، تم تطبيق نموذج يقوم على التعقيم والتطعيم وترقيم الكلاب وإعادتها للأماكن التي جاءت منها إذا لم تكن عدوانية، وقد نجح النموذج نسبياً في بعض المدن، لكنه واجه صعوبات بسبب ضعف التمويل واستمرار تراكم القمامة والتخلي عن الكلاب المنزلية، وهو ما يؤكد أن التعقيم وحده لا يكفي دون إدارة فعالة للنفايات وتطبيق للقوانين.

ومن أكثر النماذج نجاحاً عالمياً تجربة بوتان، التي أعلنت عام 2023 نجاحها في الوصول إلى تعقيم وتطعيم شبه كامل لكلاب الشوارع بعد برنامج استمر 14 عاماً، تم خلاله التعامل مع أكثر من 150 ألف كلب، بالتوازي مع حملات توعية وتسجيل للكلاب المنزلية، وكانت النتيجة انخفاضاً في أعداد الكلاب الجديدة، وتراجع حالات السعار، وتقليل الهجمات على البشر.

الخبرة العالمية اليوم تكاد تجمع على أن القتل الجماعي وحده لا يمثل حلا مستداما، لأن الفراغ الذي تتركه الكلاب التي يتم التخلص منها يملأ سريعاً بمجموعات جديدة طالما ظل الطعام والقمامة متاحين في الشوارع، لذلك تعتمد أغلب الاستراتيجيات الحديثة على التعقيم والتطعيم المستمرين بالتوازي مع ضبط البيئة المحيطة.

وفي مصر، تشير التقديرات البيطرية إلى وجود ما بين 15 و40 مليون كلب ضال، مع تسجيل نحو 1.4 مليون حالة عقر سنوياً، وهو رقم يكشف حجم التحدي الكبير، وقد بدأت بالفعل بعض المبادرات التي تعتمد على التعقيم والتطعيم بدلاً من التسميم، خاصة في مدن مثل السادس من أكتوبر والشيخ زايد، إلى جانب تخصيص الخط الساخن 19561 للإبلاغ عن التجمعات الخطرة أو حالات الاشتباه بالسعار.

لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها بوضوح هي أن أي حل جاد لهذه الأزمة يحتاج إلى خطة قومية طويلة المدى، تقوم على ستة محاور رئيسية: التعقيم واسع النطاق، والتطعيم ضد السعار، وإدارة القمامة ومصادر الغذاء، وتسجيل الكلاب المنزلية ومنع التخلي عنها، وإنشاء ملاجئ وبرامج تبنى، إلى جانب إشراك المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان في حملات التوعية والتنفيذ.

وفي المقابل، تبقى هناك تحديات رئيسية لا يمكن تجاهلها، أبرزها التمويل والاستمرارية وكثافة القمامة وسرعة تكاثر الكلاب، وهي عوامل تجعل النتائج تحتاج إلى سنوات حتى تظهر بصورة ملموسة.

مقال رئيس التحرير

بقلم هشام الزيني

"الأوفر برايس".. راجع!