لم يتخيل – حتي أكثر المتشائمين – مثل هذه الأزمة الوجودية التي تواجه صناعة السيارات حاليا في ألمانيا والصين،
عمالقة صناعة السيارات في البلدين علبهم وبشكل عاجل اتخاذ قرارات مصيرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ففي ألمانيا ضاقت حلقات الأزمة واستحكمت حتى لم يجد قيادات شركات السيارات – فخر الصناعة ألألمانية – مرسيدس ومجموعة فولكاسفاجن غير التوجه نحو العسكرة والتحول الى انتاج الأسلحة بدلا من السقوط والانهيار !! ، أما في الصين فلجأت شركات تصنيع السيارات العملاقة مثل بى واى دى الى سياسة حرق ألأسعار كخيار وحيد لتصريف المخزون والحفاظ على دوران عجلة الإنتاج !
فما هي ألأسباب التي أدت الى هكذا أزمة، وما ابعادها وأعراضها ؟ وما هي مآلتها على هذه الصناعة العريقة وانعكاساتها الاقتصادية ؟ وما هو حجم الارتباط والتفاعل بين ما يحدث من عسكرة في الغرب –المانيا- انهيار وزلزال في الشرق – الصين -؟
تحت وطأة خسائر ضخمة وضغوط المنافسة الآسيوية الشرسة التي تواجهها صناعة السيارات الألمانية والأوروبية، أطلق كرستوف بيجلا الرئيس التنفيذي لعملاق صناعة مكونات السيارات شركة" فاليو" والمورد الرئيس لشركة مرسيدس بينز صرخة تحذيرية مدوية قال فيها: صناعة السيارات في أوروبا تقف امام لحظة مصيرية فارقة ، انه ان لم يتم تدارك ألأمر فان صناعة السيارات في أوروبا وألمانيا خاصة ستنهار اقتصاديا ووجوديا خلال من 5 سنوات الى 10 سنوات القادمة !!
وفى تصريحات نشرتها وسائل الاعلام ألألمانية أمس ألأول حاول بيجلا تفسير أسباب الأزمة الراهنة قائلا : سبب الأزمة الكارثية هو أن الصين وأمريكا يحميان صناعاتهما الوطنية بالكامل، بينما وصل الفارق التنافسي في الأسعار لصالح السيارات الصينية الرخيصة إلى 30% مقارنة بالمنتج الأوروبي؛ مما جعل الماكينات الألمانية عاجزة عن المنافسة ومثقلة بارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة محليًا.
صدمة السوق الصينية: انهيار الأسعار وتراجع المبيعات.
طبقا لأحدث دراسة اقتصادية نشرتها احدى المؤسسات ألألمانية المتخصصة في اقتصادات صناعة وتجارة السيارات "اى واى" فقد هبطت صادرات السيارات الألمانية الى السوق الصينية بنسب 33 % لتتراجع الصين الى المركز السادس في قائمة أكبر أسواق تصدير السيارات ألألمانية بدلا من المركز الثانى، وهذا بسبب تراجع القوة الشرائية في السوق الصينية خاصة السيارات الفاخرة.
وفى نبرة أسى وحزن أعلن أوليفر بلومه الرئيس التنفيذي لعملاق صناعة السيارات ألألمانية فولكسفاجن : سوق السيارات الفاخرة في الصين انهار تماما
وأضاف في تصريحات صحفية: التغيرات في السوق الصينية مرعبة، مبيعاتنا هناك تنهار فعليا!
وكشفت التقارير الصحفية الألمانية وبيانات الخبراء الاقتصاديين عن "تسونامي" حقيقي يضرب السوق الصينية نفسها، مما ينسف الملاذ الآمن الأخير لعمالقة صناعة السيارات الألمانية. فالسوق الصينية التي كانت تمثل المصدر الرئيس لأرباح "فولكسفاغن"، و"بي إم دبليو"، و"مرسيدس"، تشهد حالياً انهياراً تاريخياً في الأسعار وتراجعاً حاداً في المبيعات المحلية بنسبة بلغت 17% خلال الربع الأول من العام الجاري.
وفي ذات السياق، سلطت كبريات الصحف ألألمانيةمثل" بيلد" "وهاندليسبلات" الأضواء على "حرب تكسير العظام التي تدور رحاها داخل الصين بين عملاقى السيارات الصينية "بى واى دى" وجيلى ؛ حيث دخلت الشركات الصينية المحلية في حرب أسعار طاحنة أدت إلى انهيار قيم السيارات الجديدة والمستعملة على حد سواء، مما أجبر شركات ألمانية عريقة على بيع طرازاتها بخسائر فادحة أو تقليص إنتاجها. وذاقت شركة "بورشه" الألمانية المملوكة لفولكسفاغن مرارة هذه الأزمة بتراجع مبيعاتها في الصين بنسبة تقارب 26%، بعد أن كانت السوق الصينية تستوعب وحدها ما يقارب 95 ألف سيارة من طرازاتها سنوياً.
فقدان السوق الصينية بهذه الوتيرة أدى الى فائض هائل غير مسبوق في الطاقة الإنتاجية داخل المصانع الألمانية، وتسبب في موجة إفلاسات هي الأعلى منذ 14 عاماً ضربت قطاع الصناعات المغذية للسيارات التي فقد كثر من 50 ألف وظيفة في فترة وجيزة،
______________
العسكرة هي الحل!!
وأمام كل هذه التحديات الوجودية، أعلنت كبريات شركات السيارات الألمانية عن خطط تحول "مرعبة" نحو العسكرة لتعويض نزيف الأرباح في قطاع السيارات المدنية.: رئيس مجموعة "مرسيدس بنز"، أولا كالينيوس, أعلن جاهزية شركته لتحويل خطوط انتاجها وتوجيه قدراتها للدخول في مجال تصنيع السلاح والمعدات الثقيلة لتعزيز القدرات الدفاعية لأوروبا في عالم بات أكثر خطورة ومقسمًا بين محاور جيو-سياسية متصارعة.
وفى هذا السياق أيضا، كشفت صحف ألمانية عن اعتزام مجموعة "فولكسفاجن"تحويل أحد مصانعها الشهيرة (المخصصة تاريخياً لطرازات "جولف" و"باسات") إلى منشأة عسكرية متكاملة لإنتاج أنظمة دفاع صاروخي بعد أن اشترت شركة إسرائيلية متخصصة في تكنولوجيا "القبة الحديدية". وتزامن ذلك مع إعلان شراكة استراتيجية بين شركة الاتصالات ألألمانية "دويتشه تليكوم وعملاق الصناعات الدفاعية والعسكرية "راينميتال "لتطوير منظومات دفاعية متطورة مضادة للطائرات المسيرة (الدرونز).
فرحة المستهلك وصدمة الوجود للشركات
اقتصاديات السيارات تقدم مشهداً سريالياً حاليا، يجمع بين التناقض الصارخ في عالم الاقتصاد ...صناعة وتكنولوجيا وتجارة واستهلاكا؛ فبالنسبة للمستهلكين، يعد هذا المخاض الجاري بمثابة "خبر سار" طال انتظاره. فانهيار الأسعار في السوق الصينية وحرب تكسير العظام بين الشركات، إلى جانب تخمة الإنتاج العالمي، فتحت الباب على مصراعيه أمام هبوط تاريخي في أسعار السيارات الكهربائية والتقليدية، وباتت الخيارات التكنولوجية المتطورة متاحة بأسعار لم يكن يحلم بها المشتري قبل سنوات قليلة.
ولكن على الجانب الآخر المظلم، يمثل هذا المشهد بالنسبة لشركات صناعة وتجارة السيارات التحدي الأخطر الذي لم يكن يتوقعه أحد، وزلزالاً يعيد صياغة مفاهيم الجدوى الاقتصادية برمتها. فالأمر لم يعد مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها بالتقشف أو تسريح بعض العمالة، بل هو إعادة نظر شاملة وجذرية في هيكل وأساسات هذا القطاع الحيوي في ألمانيا، فقد أدى تبخر هوامش الأرباح، وفقدان الهيمنة التكنولوجية لصالح البطاريات الآسيوية، الى اضطرار الشركات للتخلي عن هويتها المدنية - والتي كانت فخر الصناعة الألمانية على مدى العقود الماضية - والهروب نحو "العسكرة" كملاذ أخير للحفاظ على التدفقات النقدية!!،
يؤكد هذا كله حقيقة واقعية وهى أن النموذج الرأسمالي الكلاسيكى الذي قامت عليه صناعة السيارات ألألمانية والأوروبية لقرن من الزمان قد انتهى مفعوله، وصار لزاماً على عمالقة "ديترويت أوروبا" إما القبول بهيكل اقتصادي جديد تماماً، أو مواجهة شبح الانقراض والاندماج القسري.