لم يكن اسم الشيخ محمد متولي الشعراوي يومًا عابرًا في ذاكرة المصريين، ولم يكن ظهوره هذه المرة مرتبطًا بخاطرة أو تفسير لآية كريمة، بل بإعلان بسيط لبيع سيارة، سرعان ما تحوّل إلى حالة وجدانية واسعة أعادت الإمام الجليل إلى صدارة الحديث، وأيقظت مشاعر المحبة والحنين لدى ملايين من محبيه.
في مدينة الباجور بمحافظة المنوفية، نشر أحد معارض السيارات إعلانًا عن بيع سيارة مرسيدس بنز 260 SE موديل 1989، لم يكن الإعلان ليحظى بكل هذا الزخم لولا جملة واحدة: السيارة كانت مملوكة للإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي. هنا لم تعد المسألة تجارة أو بيع وشراء، بل قصة تحمل بين طياتها سيرة رجل عاش زاهدًا، وترك أثرًا لا يُقاس بالمال.
سيارة تحكي سيرة صاحبها
بحسب ما أعلنه صاحب المعرض، فإن السيارة بحالة مميزة، بعداد 165 ألف كيلومتر، وكامل تجهيزاتها تقريبًا، مع احتفاظها بجزء كبير من حالتها الأصلية، وهي من الطرازات النادرة التي دخلت مصر بأعداد محدودة للغاية. لكن القيمة الحقيقية لم تكن في المحرك أو الهيكل، بل في كونها جزءًا من حياة رجل ملأ الدنيا علمًا وبصيرة.
السيارة، وفق الرواية المتداولة، ظلت في حوزة أسرة الشيخ طوال سنوات طويلة بعد وفاته عام 1998، قبل أن يتم بيعها في عام 2024، لتتنقل بعدها بين عدد محدود من المعارض، إلى أن استقرت في الباجور، حيث خرجت قصتها إلى العلن وأشعلت موجة من التفاعل غير المسبوق.
لماذا تحركت القلوب؟
السبب لا يحتاج إلى كثير شرح. فالشيخ الشعراوي لم يكن داعية تقليديًا، بل مدرسة قائمة بذاتها. الرجل الذي قرّب معاني القرآن لعامة الناس بلغة صادقة وبسيطة، وجعل من «خواطره» زادًا يوميًا للملايين، ظل حاضرًا في الوعي الجمعي حتى بعد رحيله بسنوات طويلة.
ولهذا، تحوّل الحديث عن سيارته إلى حديث عن سيرته، وعن تواضعه، وعن تلك العلاقة الفريدة التي ربطته بالناس. لم يسأل كثيرون عن الموديل بقدر ما تساءلوا: كيف كان يقودها؟ وأين كان يذهب بها؟ وماذا بقي من روحه في تفاصيلها؟
سعر.. لكن القيمة أبعد من الأرقام
صاحب المعرض حدد سعر السيارة في نطاق يتراوح بين 575 و600 ألف جنيه، وهو رقم فجّر نقاشًا واسعًا. البعض رآه انعكاسًا لقيمة تاريخية ورمزية لا تتكرر، وآخرون اعتبروه رقمًا كبيرًا على سيارة مهما كان تاريخها. لكن الغالبية اتفقت على أن ما يُباع هنا ليس سيارة فقط، بل ذكرى رجل أحبه الناس دون مقابل.
ومنذ نشر الإعلان، انهالت الاتصالات من داخل مصر وخارجها، من أشخاص لا يبحثون عن سيارة للقيادة اليومية، بل عن قطعة تحفظ اسم الشيخ وتخلده، سواء داخل مجموعة خاصة أو في معرض للسيارات الكلاسيكية، أو حتى كرمز شخصي لمحبة صادقة.
قصة أكبر من إعلان
أكد صاحب المعرض أن عرض السيارة للبيع لا يستهدف المتاجرة باسم الإمام الراحل، بل إتاحة الفرصة أمام محبيه لاقتناء مقتنى شخصي يعود إليه، مشيرًا إلى أن المستندات والرخصة تؤكد ملكية الأسرة لها، وتحفظ للقصة مصداقيتها.
وهكذا، لم يكن الإعلان مجرد منشور على «فيسبوك»، بل لحظة إنسانية أعادت التذكير بأن بعض الرجال لا يرحلون فعليًا. قد تُعرض سيارة للبيع، لكن صاحبها يظل حاضرًا في القلوب، يمر اسمه فيوقظ المحبة، ويؤكد أن القيم التي عاش لها الإمام الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي، أبقى وأغلى من أي ثمن.