لم تتحرك الصين يوماً بعشوائية أو اندفاع، بل سارت وفق حكمة قديمة لا تزال تحكم سلوكها حتى اليوم مضمونها «لا تظهر مكامن قوتك قبل اكتمالها»، بهذه الفلسفة بنت بكين نهضتها بهدوء، وتقدمت خطوة بعد أخرى، حتى أسدلت الستار عن وجه جديد لقوة عظمى باتت تمسك بخيوط الاقتصاد العالمي، وتستعد لإعادة رسم ملامح النظام الدولي في العقد الثالث من الألفية.
طوال سنوات، تمسكت الصين بخطاب يؤكد أنها دولة نامية تسعى لتحسين معيشة مواطنيها، وتقديم الدعم للدول السائرة على درب التنمية دون شروط أو إملاءات، على عكس النهج الغربي والأمريكي، غير أن هذا الخطاب تراجع مع اكتمال ملامح النهضة الصينية الاقتصادية والمالية والتكنولوجية وأظهرت انيابها امام العالم فسادت اسواق السيارات العالمية واطاحت بالكبار فى هذا العالم بعدما أزاحت اليابان عن موقعها كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفرضت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في القرارات المصيرية المتعلقة بالاقتصاد العالمي.
«ثقة القوة لا غرور المنتصر»
يكشف الكاتب الصحفي محمد إبراهيم الدسوقي، رئيس تحرير بوابة الأهرام والأهرام المسائي وورئيس تحرير مجلة ديوان الأهرام، في مؤلفه الجديد «آسيا الجديدة»، الصادر تحت إشراف الهيئة المصرية العامة للكتاب أن بكين تتصرف من منطلق ارتقائها لمصاف القوى العظمى، معتبرة أن ما بلغته يمنحها حق الريادة وفرض منطقها وشروطها دولياً وإقليمياً، وتفاخر بأنها القوة الوحيدة القادرة فعلياً على منافسة الولايات المتحدة كند صلب على زعامة العالم، متهمة واشنطن بأنها المسؤول الأول عن اضطراب النظام الدولي وما شهده العالم من حروب وكوارث وعدم استقرار.

«حارس النظام الدولي»
عبر خطاباتها ورسائلها السياسية، تروج الصين لنفسها باعتبارها القوة الأقدر على حماية النظام الدولي من “النزق الأمريكي”، وتقديم نموذج قائم على الرشادة السياسية وضبط النفس، هذا الخطاب عزز الثقة الدولية بها، وفتح الباب أمام دورها كوسيط في ملفات شائكة، من بينها (استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، الأزمة النووية الكورية، الحرب الروسية الأوكرانية، أزمات الشرق الأوسط)، لاسيما بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، وفي هذا السياق، لم تتوقف الوفود الأوروبية ودوائر رجال الأعمال عن التوافد إلى بكين طلبا للمشورة أو بحثاً عن فرص استثمارية واعدة.
«نموذج تنموي ملهم»
لم تعد الصين مجرد قوة اقتصادية، بل باتت مالكة لنموذج تنموي ملهم، مكّنها خلال سنوات قليلة من نقل شعوب وأمم من دائرة الفقر والعوز إلى آفاق الثراء والنمو. نموذج يرى الصينيون أنه تفوق على التجربة اليابانية الشهيرة، واستلهمت منه «النمور الآسيوية» في الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تتجاوز أصداؤه حدود القارة الآسيوية إلى العالم بأسره.
«أرقام تعكس حجم التحول»
بحسب مؤشرات 2022، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 17.95 تريليون دولار، فيما سجلت الصادرات 3.6 تريليون دولار، ووصلت الاستثمارات الأجنبية إلى 182 مليار دولار بزيادة 6.3% عن العام السابق، وهى أرقام تحققت رغم الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.
«حضارة ضاربة في الجذور»
ولا تنبع الثقة الصينية من الإنجازات الراهنة فقط، بل من إرث حضاري عميق ترك بصمته في تاريخ الإنسانية، ويعد ركيزة أساسية لثقل الصين في الألفية الثالثة، إلى جانب قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
«رؤية الصين الكبيرة»
هذا الإحساس المتزايد بالثقة مهد الطريق لرؤية «الصين الكبيرة»، عبر توسيع نطاق النفوذ وتأمين التموضع في «آسيا الجديدة» التي يتوقع أن تعيش في ظل «العصر الصيني»، خاصة في المناطق البحرية بالمحيطين الهادئ والهندي، وبناء الجزر الاصطناعية في بحر جنوب الصين.
«سباق التسلح»
في هذا الإطار، كثفت بكين استثماراتها في التقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الفضاء، وأولت اهتماماً خاصاً بأسطولها البحري وترسانتها النووية والصاروخية، وخصصت في 2022 نحو 229 مليار دولار للإنفاق العسكري، ما عزز قدرات جيشها الذي يضم قرابة مليوني جندي، ويمتلك ترسانة متطورة من الصواريخ، وطائرات الشبح والمسيرات، والغواصات النووية.
وفي 25 يونيو 2022، دشنت الصين ثالث حاملات طائراتها «فوجيان»، بطول 320 متراً وعرض 73 متراً، مزودة بنظام إطلاق كهرومغناطيسي، وتستوعب 40 طائرة حربية ويعمل عليها طاقم من 3 آلاف جندي.
«تبريرات بكين ومخاوف الجوار»
تؤكد الصين أن زيادات إنفاقها العسكري تأتي لمواجهة التحديات الدولية، ومواكبة الإنفاق العسكري الأمريكي الذي تجاوز 800 مليار دولار عام 2023، إضافة إلى التصدي لتنامي النزعة العسكرية اليابانية بعد مضاعفة طوكيو لموازنتها الدفاعية، وتبنيها استراتيجية أمنية جديدة بدعم أمريكي وغربي، في تحول لافت عن نهجها السلمي منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل اعتبار الصين التحدي الاستراتيجي الأول لليابان.