Close ad

إشكالية تحليل المخدرات لقائدي المركبات

لواء د.أيمن الضبع18 سبتمبر 2025

فيما يخص الاستيقاف وتحليل المخدرات لقائدي المركبات أثناء الحملات المرورية، أشير إلى أنه خلال فترة خدمتي كنت مقرراً للجنة من مختلف الجهات المختصة كُلّفت بوضع مقترح لقانون المرور الجديد – كما أُطلق عليه حينها. وبعد جهد كبير استمر لأكثر من عامين، وبمشاركة نحو 13 وزارة و67 جهة إلى جانب ممثلين عن السائقين بمختلف فئاتهم، تم إعداد مقترح أزعم أنه كان جيدًا جدًا للتعامل مع الكثير من القضايا المرورية، بعضها يمثل ظواهر مجتمعية تحتاج إلى الحكمة في معالجتها. وقد استندت اللجنة إلى مراجعة قوانين المرور في أكثر من 17 دولة والاطلاع على أفضل تجاربها.

ومن بين القضايا التي تم تناولها موضوع تحليل المخدرات للسائقين، حيث يضعه القانون الحالي تحت مظلة "حالة التلبس" في قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما يؤدي إلى بطلان أغلب القضايا. وقد تضمن المقترح أكثر من ضمانة وإجراء يجمع بين صون الحريات وتجريم الفعل وتحقيق الردع.

وفي هذا السياق، صدر حكم لمحكمة النقض أوضح أن المادة (66) من قانون المرور تحظر قيادة أي مركبة تحت تأثير خمر أو مخدر، وتجيز لمأموري الضبط القضائي عند التلبس بمخالفة الفقرة الأولى من هذه المادة أن يأمروا بفحص حالة قائد المركبة بالوسائل الفنية التي يحددها وزير الداخلية بالاتفاق مع وزير الصحة.، غير أن النقض شددت على أن حالة التلبس تستلزم أن يتحقق مأمور الضبط القضائي بنفسه من وقوع الجريمة، سواء برؤيتها أو إدراكها بحاسة من حواسه، ولا يكفي تلقي نبأ عنها من الغير.

وأكدت المحكمة أن الاشتباه المجرد، مهما كان مصدره، لا يصلح سندًا للقبض أو التفتيش أو التحليل، إذ لا تُبنى الإجراءات الجنائية على الظنون بل على أدلة ثابتة وقرائن قاطعة يطمئن إليها وجدان العدالة. فلا يجوز أن يُستباح حق الفرد لمجرد ارتجاف عارض أو اضطراب عابر يبدو على السائق؛ فليس كل اهتزاز في السلوك قرينة على ارتكاب جرم.

وبينت القاعدة المستقرة أن ما بُني على باطل فهو باطل؛ فبطلان القبض يترتب عليه بالضرورة بطلان كل إجراء تالٍ له، ولو بدا في ظاهره صحيحًا. كما أن التحليل لا يجوز أن يُجرى في الطرقات أو بوسائل مرتجلة، بل يجب أن يتم وفق إجراءات دقيقة ومعايير علمية معتمدة تضمن سلامة الدليل وصحته.

وثمة مبدأ ثالث مؤكد وهو أن قانون المرور لا يسمو على قانون الإجراءات الجنائية، وأن النصوص الخاصة لا تفسر على نحو يُهدر الضمانات الدستورية أو يُطلق يد السلطة في تقييد الحريات. فسيادة القانون تبقى فوق كل اعتبار، والإجراءات هي الحصن الحصين للحقوق.

من هنا، فإن الأمر يستلزم إعادة النظر في نصوص قانون المرور المتعلقة بالاستيقاف والتحليل حتى لا تقع الإجراءات في دائرة البطلان. وقد تمت معالجة هذه المسألة بالفعل في مشروع قانون المرور الجديد الذي لم يصدر بعد، وأزعم أن اتخاذ إجراءات استصدار هذا القانون بات أمرًا بالغ الأهمية لتصحيح العديد من الثغرات التي تحتاج إلى إصلاح.