قبل ثلاث سنوات فقط، وصف مسؤول بارز في شركة "بي واي دي" الصينية إيلون ماسك بأنه نموذج يُحتذى في عالم السيارات الكهربائية. لكن المشهد تغيّر بالكامل خلال فترة وجيزة، لتصبح تسلا – التي لطالما بدت كأنها تتصدر السباق منفردة – في موقف دفاعي داخل السوق الأضخم عالمياً: الصين.
اليوم، لا تخوض تسلا منافسة تقليدية، بل معركة شرسة للحفاظ على مكانتها وسط طوفان من الابتكارات الصينية، وتراجع في المبيعات، وتحديات تنظيمية تعرقل طموحاتها في مجال القيادة الذاتية. أما "بي واي دي"، فقد تحولت من شركة ناشئة في مجال البطاريات إلى عملاق عالمي يتصدر المشهد التقني والتجاري، متجاوزة حاجز 100 مليار دولار في الإيرادات السنوية للمرة الأولى في 2024، ومهيّأة لتخطي تسلا في حجم المبيعات خلال العام المقبل.
ماسك يعود من الصين بانطباع مختلف
إيلون ماسك، الذي طالما سخر من فكرة أن تكون "بي واي دي" منافساً حقيقياً، خرج من زيارته الأخيرة للصين بانطباع مغاير تماماً. فبعد تفقده خطوط إنتاج الشركة وتقنياتها المتقدمة وتكلفة تصنيعها المنخفضة، عبّر لمسؤوليه عن قناعة واضحة: الصين تقود مستقبل السيارات الكهربائية.
وبينما كانت تسلا مشغولة بإدارة الأزمات السياسية وغياب الطرازات الجديدة، كانت "بي واي دي" تطلق نظام "عين الآلهة" لمساعدة السائق، وتكشف بعده بشهر واحد فقط عن تقنية شحن بطاريات تضيف 470 كيلومتراً من المدى في خمس دقائق فقط.
هجوم تقني متكامل من الصين
التحول في استراتيجية "بي واي دي" – من الاعتماد على البطاريات إلى تطوير البرمجيات والرقائق – لم يكن معزولاً. شركات مثل "إكس بنغ" و"دينزا" دخلت السباق أيضًا بتقنيات متقدمة في الشحن، والتبريد، والتوجيه الإلكتروني، وحتى تقنيات "الصب العملاق" التي ساهمت تسلا نفسها في تطويرها، لتجد الأخيرة نفسها في موقف المتأخر تقنيًا في بعض النواحي.
ووفق تحليلات مؤسسة "كيرسوفت"، طورت الشركات الصينية مئات التحسينات الصغيرة التي تترجم إلى وفورات ضخمة في تكلفة إنتاج السيارة الواحدة، ما يمنحها مرونة أكبر في التسعير والمنافسة.
سباق على القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي
رغم هذه الهزائم التكتيكية، لا يزال ماسك يرى أن مستقبل تسلا مرهون بتفوقها في الذكاء الاصطناعي، والقيادة الذاتية، والروبوتات. ولذا، قرر في مايو الماضي التخلي عن أدواره الرسمية في واشنطن، والتفرغ لدفع خطوط البحث والتطوير داخل شركته، بدءًا من سيارات الأجرة الروبوتية وحتى "أوبتيموس" – الروبوت البشري القادر على تنفيذ المهام المنزلية.
"إن لم تمتلك شركات السيارات تقنيات القيادة الذاتية، فلن تبقى موجودة بعد عشر سنوات"، يقول أحد مسؤولي تسلا السابقين، مشبهًا الموقف بما حدث حين أطاحت ثورة آيفون بالهواتف القابلة للطي.
من مصنع بطاريات إلى مصنع هيمنة
وانغ تشوانفو، مؤسس "بي واي دي" والرجل الذي لقّبه العاملون بـ"الرئيس"، بنى إمبراطوريته على أساس البطاريات، ثم توسّع نحو السيارات في بدايات الألفية. اليوم، تقف شركته على قمة صناعة السيارات الكهربائية، بعدما باعت 4.27 ملايين مركبة في 2024، بينها 1.76 مليون سيارة كهربائية بالكامل، متقدمة على تسلا في السوق الصينية التي تملك فيها 21% من الحصة، مقابل 8% فقط للشركة الأميركية.
وتكشف الأرقام أن النمو لم يكن فقط في الكميات، بل في القدرة على الابتكار والتصنيع السريع بتكلفة أقل، بفضل سلاسل توريد محلية، وتسهيلات حكومية، واعتماد مبكر على تقنيات التصنيع الحديثة.
تسلا ما بعد الريادة
ورغم تفوقها في تقنيات مثل شبكات الذكاء الاصطناعي والوصول إلى أحدث رقائق "إنفيديا"، فإن تسلا باتت أمام لحظة حاسمة: إمّا أن تعيد ابتكار نفسها في مجالات القيادة الذاتية والسيارات الروبوتية، أو تخاطر بفقدان موقعها في صدارة صناعة كانت هي أول من أشعل فتيلها.
في المقابل، يبدو أن الصين لم تعد مجرد مصنع للسيارات، بل أصبحت منصة عالمية للابتكار، تفرض شروطها في السوق وتُعيد رسم خريطة القوى في عالم التنقل.