Close ad

«اختبارات التصادم».. كيف غيّرت وجه صناعة السيارات وفرضت واقعًا جديدًا للسلامة؟

بلومبرج14 يونيو 2025

.

رغم أن حوادث السير ما زالت تودي بحياة أكثر من مليون شخص حول العالم سنويًا، إلا أن هذا الرقم – الذي ظل ثابتًا منذ أكثر من 25 عامًا – يخفي خلفه قصة نجاح مهمة بدأت ملامحها تتضح: السيارات التي تُصنّع اليوم باتت أقل فتكًا وأكثر أمانًا من أي وقت مضى، بفضل تطور "اختبارات التصادم" التي أرغمت المصنّعين على تحسين معايير السلامة، وأعادت رسم خريطة صناعة السيارات عالميًا.

أزمة صامتة ونجاحات مخفية

لطالما تحمّلت شركات تصنيع السيارات، جنبًا إلى جنب مع الأنظمة المرورية الضعيفة، مسؤولية الأرقام المرتفعة للوفيات الناجمة عن الحوادث. لكن الخبراء يؤكدون أن الوضع كان ليكون أسوأ بكثير، لولا التحسينات التي فرضتها مؤسسات مستقلة متخصصة في "اختبارات التصادم"، والتي أجبرت المصنّعين على الالتزام بمعايير أكثر صرامة.

ويقول ديفيد وارد، أحد أبرز مؤسسي برامج اختبارات التصادم حول العالم، إن شركات السيارات الكبرى لطالما حاولت تعطيل تطبيق معايير السلامة الجديدة، لكنها وجدت نفسها في النهاية مضطرة للخضوع لضغوط تلك الاختبارات التي كشفت علنًا عن أوجه القصور في تصميماتها.

تحوّل جذري في الأسواق الناشئة

ويُعد ما حدث في السوق الهندية نموذجًا حيًا لهذا التحول. فقبل نحو عقد من الزمن، كانت معظم السيارات في الهند أشبه بـ"أفخاخ موت"، لكنها اليوم، وفقًا لوارد، باتت تقف على قدم المساواة مع مثيلاتها الأوروبية والأمريكية بفضل إدخال اختبارات التصادم، وهو ما دفع شركات مثل "تاتا" إلى اعتماد هياكل وأنظمة أمان متقدمة.

من ميزة إضافية إلى هوية تجارية

اللافت أن شركات السيارات الفاخرة مثل "فولفو" و"مرسيدس"، لم تعد تتعامل مع الأمان كشرط تنظيمي فقط، بل حولته إلى أداة تسويق رئيسية، تروج من خلالها لتقنياتها وحرصها على حماية الركاب، ما يوضح كيف أصبحت السلامة أحد أعمدة الثقة بين العلامة التجارية والمستهلك.

لماذا تتعدد اختبارات التصادم؟

تختلف اختبارات التصادم بحسب الجهة المنظمة والمعايير الإقليمية، فبينما يُعتبر البرنامج الأوروبي "Euro NCAP" الأكثر تقدماً، نجد أيضاً اختبارات مثل "IIHS" في الولايات المتحدة و"Global NCAP" التي تستهدف الأسواق الناشئة مثل الهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ويرى وارد أن توحيد هذه المعايير عالميًا سيساهم في تقليص الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، إلا أن الأمر يتطلب خطوات تدريجية بسبب التفاوت الكبير في القدرة الاقتصادية للمستهلكين.

ماذا يحدث داخل غرفة التصادم؟

يوضح الخبير في حوادث السير، المهندس سامي مراد، أن اختبارات التصادم عبارة عن محاكاة لحوادث واقعية، تهدف إلى قياس قدرة السيارة على حماية الركاب، عبر سيناريوهات تشمل التصادم الأمامي، والجانبي، والخلفي، والتصادم مع المشاة، إلى جانب اختبارات لهيكل السيارة تحت الضغط.

ويضيف مراد أن السيارات التي تحصل على تقييم خمس نجوم تُعد الأعلى في مستوى الحماية، في حين أن السيارات الحاصلة على نجمة أو نجمتين تعاني من ضعف في التصميم يجعل الركاب أكثر عرضة للإصابة أو الوفاة عند الاصطدام.

تكلفة السلامة.. هل يدفعها المستهلك؟

يرى خبير السيارات محمد الحاج أن هذه الاختبارات لم تُحسّن من معايير السلامة فحسب، بل غيّرت أيضًا الأولويات في الصناعة، فبعد أن كانت التكلفة وسرعة الإنتاج تتحكمان في القرار، أصبحت السلامة اليوم عنصراً حاسماً للقبول في الأسواق العالمية.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن "ثمن السلامة" ليس زهيدًا، إذ ترفع أنظمة الأمان المتطورة – مثل الوسائد الهوائية المتعددة، وأنظمة الكبح الذكية، والهياكل القابلة لامتصاص الصدمات – من تكلفة السيارة، ما يخلق تحديًا إضافيًا أمام المستهلك في الأسواق الناشئة.

بين المختبر والطريق.. فجوة يجب الانتباه لها

يحذر الحاج من الفجوة بين نتائج الاختبارات داخل المختبرات والواقع العملي على الطرق، فبعض السيارات قد تنجح في اجتياز اختبارات التصادم بأعلى الدرجات، لكنها تفشل في تكرار نفس الأداء عند التصادم الفعلي، بسبب تدهور حالة السيارة، أو ضعف البنية التحتية، أو غياب الصيانة.

ويختتم الحاج بقوله إن أكثر السيارات أمانًا قد تتحوّل إلى مصدر خطر إذا استُخدمت في بيئة تفتقر إلى الرقابة والالتزام، ما يُبرز الحاجة إلى نظام متكامل يشمل السيارة، والطريق، والسائق، والسياسات.