Close ad
تحديات جديدة تجتاح الصناعة مع تباطؤ مبيعات السيارات الكهربائية

.

دكتور مهندس: سمير على, 31 مارس 2024


استعرضت مع حضراتكم في مقالات عديدة خلال الأعوام القليلة الماضية وطبقا لعشرات الأبحاث والتوقعات، ما كان يبدو أننا نتجه بسرعة نحو مستقبل السيارات الكهربائية. وذلك من خلال العديد من المؤشرات الإيجابية للشركات العاملة في هذا المجال. فعلى سبيل المثال؛وصلت القيمة السوقية لشركة تسلا (TESLA) الأمريكية والرائدة في صناعة السيارات الكهربائية إلى تريليون دولار (ألف مليار دولار)، ووقعت شركة هيرتز (HERTZ) لتأجير السيارات صفقة بقيمة 4 مليارات دولار مع تسلا لتوريد السيارات لأسطولها.

وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي "بايدن" عن خطط لجعل السيارات الكهربائية تشكل 50٪ من جميع السيارات الجديدة المباعة بحلول عام 2030. كما التزمت شركة جنرال موتورز (GM) بتحقيق مبيعات 100٪ للسيارات الكهربائية بحلول عام 2035.

وقد أظهرت النتائج في الولايات المتحدة أن مبيعات السيارات الكهربائية شهدت نموًا كبيرا بنسبة 30٪ في عام 2023، مقارنة بنمو 70٪ في عام 2022. وفي أوروبا، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 28٪ لتصل إلى حصة سوقية بلغت 14.6٪، في حين ارتفعت الحصة السوقية بنسبة 50٪ في الولايات المتحدة لتصل إلى 7.6٪، وارتفعت بنسبة 24٪ في الصين لتصل إلى 24٪ من حصة السوق.

 وقد تمكنت تسلا (TESLA)، من زيادة مبيعاتها العالمية بنسبة 38٪ عن عام 2022 لتصل إلى 1.8 مليون وحدة في عام 2023، مع اثنين من الموديلات فقط. ولم تكن شركة (BYD) الصينية بعيدة المنال بمبيعات 1.6 مليون سيارة كهربائية (مع 1.4 مليون سيارة بمحركات وقود)، وتجاوزت حتى مبيعات تسلا في الربع الرابع لعام 2023. وقد كانت تسلا موديل (Y) هوالأكثر مبيعًا عالميًا بغض النظر عن آليات الحركة في عام 2023 حيث باعت 1.2 مليون وحدة!

لكنوبشكل مفاجئ، أظهر هذا النمو علامات على فقدان الزخم مؤخرًا بالرغم من الخطط وسياسات الحوافز المقدمة من الحكومات، كما كان الحال في أوروبا في ديسمبر 2023 (مقابل ديسمبر 2022). وبدأ تباطئ نمو سوق السيارات الكهربائية بشكل ملحوظ طبقا لبحث قامت به العديد من مركز الأبحاث ومنها جامعة "هارفارد" الأمريكية (HBR).

وعندما تم تسليط الضوء على هذا الوتيرة البطيئة بدأت معظم الشركات الكبرى بالتراجع عن الخطط السابقة وحدثت أشياء غير متوقعة. ففي نهاية العام الماضي، قامت شركة "تسلا"بتخفيض أسعار سياراتها عدة مرات، ثم قلصت الأسعار على طرازها الذي يشكل حجماً كبيراً من المبيعات بما يقرب من 25٪، وأعلنت شركة هيرتز (Hertz) عن خطط للتخلص من سيارات تسلا. ولذلك أشار (Elon Musk) رئيس الشركة إلى أن تسلا سترى نموًا طفيفًا في المبيعات بمرور الوقت، مما قد يمرر تاج السيارة الكهربائية إلىشركة (BYD) الصينية. أما جنرال موتورز (GM)، فأعلنت أنها ستتخلى عن أهدافها القريبة المدى للسيارات الكهربائية، وأجلت إنتاج سيارتها البيك أب (Pickup) الكهربائية، وأوقفت مشروع شراكة في مجال السيارات الكهربائية مع شركة هوندا (HONDA) اليابانية. كما تخلت شركة رينو (RENAULT) الفرنسية عن خطط لطرح منتجاتها الكهربائية(Ampere) في البورصة بسبب ظروف السوق البطيئة. وكانت الشركة قد قالت إن الطرح العام الأولي يمكن أن تصل قيمته إلى 10 مليارات يورو.

وقد أظهرت تقارير إخبارية كثيرة عن وجود عدد كبير من السيارات الكهربائية في المخازن لا تباع لدى التجار. وفي استبيان للوضع الحالي، توقع رئيس مجلس إدارة تويوتا، (ِAkio Toyoda)، أن الغالبية العظمى من السيارات التي ستباع في العقود القادمة لن تكون كهربائية بالكامل. وقد أكد مركز بيو (PEW) للأبحاث هذا التوقع، حيث أفاد بأن نصف البالغين الأمريكيين يقولون إن سيارتهم التالية ربما لن تكون كهربائية.

وأوضحت شركة (CATL) الصينية وهي أكبر منتج لبطاريات السيارات الكهربائية في العالم، أن الأرباح في عام 2023 أقل بشكل حاد من العام السابق مع تزايد التحديات التي تواجهها من تباطؤ الطلب والمنافسة الشديدة. حيث تواجه (CATL) تحدياتصعبة من المنافسين الأصغر حجمًا مع تباطؤ الطلب في الصين، أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم.

وأعلنت شركة (BYD) ثاني أكبر منتج لبطاريات السيارات الكهربائية، أن صافي ربحها في عام 2023 قد تباطئ بوتيرة سريعة مقارنة بعام 2022. في حين تنبأت شركة (LG Energy Solution) الكورية الجنوبية بتباطؤ نمو السوق العالمي للسيارات الكهربائية هذا العام.  كما أعلنت شركة (Albemarle)، هذا الشهر وهي أكبر منتج في العالم لمادة "الليثيوم" الأساسية في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، إنها تخطط لتقليص عدد الوظائف بنسبة 4٪من القوة العاملة لديها، وكذلك الإنفاق الرأسمالي نتيجة لانخفاض الأسعار.

وفي الوقت نفسه، انخفضت مبيعات السيارات الكهربائية في ألمانيا بنسبة 16٪ في العام الماضي، ومن المتوقع أن تنخفض مرة أخرى بنسبة 9٪ في عام 2024، بما في ذلك انخفاض بنسبة 14٪ للسيارات الكهربائية بالبطارية الخالصة، وفقا لجمعية السيارات الألمانية (VDA).وقال كبير الاقتصاديين في (VDA) السيد (Manuel Kallweit) “انتهت رفاهية الدعم المالي للسيارات الكهربائية، فنحن نخوض في مياه عكرة عبر الاقتصاد لأن ميل المستهلكين للشراء لم يعد مميز بشكل خاص". ومع ذلك، فمن المتوقع أن تزيد إنتاج السيارات الكهربائية في ألمانيا بنسبة 19% هذا العام ليصل إلى 1.45 مليون سيارة، لكن غالبية هذا الإنتاج متجه للتصدير.

ووفقًا للبيانات الصادرة من شركة (Motor Intelligence) المتخصصة في تحليل بيانات سوق السيارات فقد زادت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 51٪ عام 2023، متبعة نفس الاتجاه التصاعدي ومع ذلك، تمثل هذه الزيادات انخفاضًا عن معدل النمو بنسبة 71٪ في نفس الفترة من العام السابق. بالإضافة إلى ذلك، كشفت تسلا، المتصدرةلهذا السوق بأكثر من نصف مبيعات السيارات الكهربائية، عن أقل ربحية فصلية لها في العامين الماضيين، مما تسبب في انخفاض قيمة أسهم الشركة بمقدار 138 مليار دولار.

وفي بريطانيا في سبتمبر الماضي، أجرى رئيس الوزراء تحولا كبيرا في سياسة الحظرعلى سيارات البنزين عندما أعلن تأجيل تنفيذها من عام 2030 إلى عام 2035.

وقدمت فرنسا مؤخرًا برنامج "التأجير الاجتماعي" لدعم تأجير السيارات الكهربائية بمبلغ متوسط 100 يورو شهريًا (من 50 إلى 150 يورو تبعا للنموذج) للعائلات ذات الدخل المنخفض. وهذه المبادرة ناجحة جدا فهي ليست فقط تسهل الوصول إلى التنقل النظيف ولكن أيضًا تعزز تطوير السيارات الكهربائية ذات الأسعار المنخفضة.

وفي مؤشر أخر على تباطؤ نمو السيارات الكهربائية وكما جاء في تقرير لمجلة (FORBES) المتخصصة في الشئون الاقتصادية والمالية، فقد أعلنت شركة مرسيدس بنز (Mercedes Benz) في فبراير من هذا العام أنها لن تفي بالموعد النهائي لعام 2025 لجعل السيارات الكهربائية، بما في ذلك الهجينة، تشكل 50٪ من إجمالي المبيعات. وأوضحت الشركة أن الطلب المتواضع على السيارات الكهربائية قد أزاح هذا الهدف إلى عام 2030 على الأقل. بينما، تحاول تويوتا حتى الآن الالتزام بخطتها وتوفير مجموعة متنوعة من السيارات الهجينة (Hybrid)، والهجينة القابلة للشحن، مع منح اهتمام خاص لمشروع السيارات التي تعمل بالهيدروجين.

كما أعلنت شركة جنرال موتورز أنها تعتزم التراجع عن خطتها التي أعدتها قبل عامين لبناء 400,000 سيارة كهربائية بحلول منتصف عام 2024. وأن خطتها لإيقاف محركات الاحتراق الداخلي ستؤجل إلى عام 2035. كما تم إلغاء خطط التعاون مع شركة هوندا اليابانية لتطوير مجموعة من السيارات الكهربائية ذات الأسعار المعقولة أيضا. وبناء عليه قامت شركة هوندا مؤخرا بإنشاء تحالف مع شركة نيسان اليابانية للوصول إلى سيارة كهربائية بأسعار في متناول أكبر شريحة من المستهلكين. وقال المسؤولون التنفيذيون في شركة فورد (FORD) إنهم لا يحتاجون حاليا إلى كامل القدرة الإنتاجية لتلبية الطلب، وبالتالي فإنهم يؤجلون مليارات الدولارات في استثمارات السيارات الكهربائية.

وفي دراسة تفصيلية صادرة عن (Boston Consulting Group) أوضحت أن أهم أسباب هذا التباطؤ يرجع إلى أن السيارات الكهربائية لاتزال بالنسبة لكثير من العملاء تُعتبر مكملة وليست بديلا للسيارات التي تعمل بالوقود، وأن معظمهم قد اشتراها تماشيا مع "الموضة" لأن شركات السيارات لم تستطع إقناعهم في عدد من العوامل الهامة بالنسبة للمستخدم ومنها زمن الشحن الذي يجب أن يقل عن 20 دقيقة، وعدم توفر محطات الشحن مثل محطات الوقود. وكذلك زيادة مسافة السفر قبل إعادة الشحن لتصل إلى 350 ميلا (580) كم تقريبا بالإضافة إلى أن متوسط سعر السيارة الكهربائية قد يصل إلى ضعف السيارة التي تعمل بالوقود.

وكما جاء في تقرير جامعة هارفارد الأمريكية فإن صانعو السيارات الكهربائية (EV) قد تحركوا بشكل مفرط في السوق دون أن يقنعوا الجمهور بأن استبدال السيارات التي تعمل بالوقود بالسيارات الكهربائية هو الخيار الصحيح وفي الوقت المناسب؟ نعم، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن الدفعة السريعة التي قامت بها الشركات المصنعة لتبني السيارات الكهربائية بشكل واسع بحلول عام 2030 قد توقفت.

في المقابل يشهد السوق العالمي للسيارات المستعملة نموًا كبيرًا، خاصة في منطقة آسيا وأفريقيا والمحيط الهادئ. ففي عام 2023، شهد نموًا بنسبة 3-4٪، مع مبيعات وصلتلأكثر من 96 مليون سيارة، وبقيمة سوقية حوالي1.76 تريليون دولار أمريكي طبقا للتسجيلات الرسمية. ومن المتوقع أن ينمو هذا السوق بنسبة سنوية تراكمية تصل إلى ٪6 وبقيمه سوقية إلى حوالي 2.67 تريليون دولار في عام 2030. لتتجاوز حصته السوقية نسبة 50٪ في منطقة آسيا وشمال أمريكا، حسب ما جاء في تقرير لموقع (Grand View Research). مما يشير إلى تحول نحو سوق أكثر تنظيمًا. خاصة أن عدد بائعي السيارات المستعملة يتزايد عبر الإنترنت مما يضيف أعباء أخرى على الصناعة.

وهذا ما دفع شركات السيارات لاستغلال هذا النمو الهائل. فعلى سبيل المثال، في أغسطس 2022، أطلقت لكزس (LEXUS)، التابعة لشركة تويوتا العالمية (TMC)، برنامج (Certified LEXUS) مثل العديد من الشركات الأخرىوتهدف هذه الخطوة الإستراتيجية لضمان تقييم مرتفع لسعر إعادة بيع السيارات المستعملة. والقدرة على تحمل تكاليفها للعملاء المحتملين، وبالتالي زيادة رضا العملاء مع تعزيز مكانة العلامة التجارية في قطاع السيارات.

ولذلك أصبحت الشركات المصنعة للسيارات تضع رهاناتها على المدى الطويل مع السيارات الكهربائية. بعد أن أيقنت جميع الشركات أن سوق السيارات الكهربائية لن ينمو بشكل خطي. ولذلك يجب مراجعة جميع خطط الإنتاج بحيث يكونوا مستعدين للتأقلم بين إنتاج المحركات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بالتزامن مع السيارات الكهربائية. وهذا يعني على الأرجح تقديم مزيد من السيارات الهجين (Hybrid)أو الوصول إلى تكنولوجيا جديدة تماما كجسر للوصول إلى مستقبل كهربائي بالكامل. وطبقا للمؤشرات فلن يكون ذلك قبل بضع سنوات من الآن.

لماذا حدث هذا التباطؤ وما هي خطط التعامل مع هذه التحديات الجديدة؟ هذا ما سوف نستعرضه مع حضراتكم في مقالة لاحقة إن شاء الله لأن هذا الموضوع يتعلق بمصالح المستثمرين في هذا المجال.

اخبار جوجل تابعوا صفحتنا على أخبار جوجل

الاخبار المقترحة

الاخبار الرئيسية

مقال رئيس التحرير

بقلم هشام الزيني

تصريح أفسد سعار الاسعار

الأكثر قراءة