ثرثرة.. فوق الكوبرى

دينا ريان 22 ديسمبر 2019

تغيير حجم الخط

كعادته عندما يجد طريقا خاليا تجده يتمخطر وكأنه جوز الخيل وهو العربية.
إنه ميكروباص النكد أحيانا عندما يتجه إلى المقابر أو ميكروباص.
الهنا عندما يستأجره متعهد أفراح فى حوارى بولاق.
أما ميكروباص توصيل الزباين من وإلى مراكز تجمعهم للوصول إلى أعمالهم، فهو ميكروباص يتعمد أن يفصل البنى آدم من دول عن كل همومه ومشكلاته النفسية وأوهامه العقلية وأزماته الاقتصادية، فهو ميكروباص القفز فوق الأرصفة، وأحيانا العربات، خصوصا الفارهة، التى يناطحها جنبا بجنب وبوزا ببوز، وكثيرا ظهرا بوجه.
بحركاته تلك مثل بطل الترابيز فى السيرك يركز الركاب تماما على مستقبل الغد، إذا كانوا سيدركونه، ويتحسروا على كل دقيقة فرح ضاعت منهم فى سوق الزحام اليومى، سواء ركوبا أم جلوسا أم حتى تفكيرا.
ربما ظلت أفكارى تثرثر مع نفسى والآخرين وفجأة توقف الميكروباص عن كل أدوات ووسائل البلاهة والإرهاب و الميول الانتحارية، وقرر صعود أول كوبرى فتح فى مجموعة كبارى مصر الجديدة، هذا الكوبرى الضخم الذى قد يسع ثلاث أو أربع أو خمس حارات! من طريق الميرغنى إلى طريق السويس، وجدت عربة الميكروباص وبجانبها عربة أخرى متناهية الصغر، تشبه العربة «هيربى» بطلة فيلم العربة الطائشة، ونفس الطراز يقفان على مطلع الكوبرى مثل التائه فى الزحام، كان حقا أمرا فى غاية الفكاهة، وكأنها طفلين يكتشفان الحياة فى أول خطوة على قارعة الطريق، وكأنه يحتاج إلى أهله ليفسر له خريطة الحياة.
وقف الميكروباص خائفا ينظر من حوله ولا يجد غير تلك العربة «البيتلز» تقف بجانبه، وكلما تحرك خطوة تتحرك مثله حتى وصلا إلى قمة الكوبرى وحدهما، وبرغم أنه كوبرى ذو اتجاه واحد، فإن منظر قائد الميكروباص ومن ورائه صاحب الملاكى البيتلز، يعودان للخلف در ويريدان التخلص فى أقرب وقت من أسلوب الريادة فى افتتاح الكوبرى، وما قد ينتظرهما من مفاجآت، جعلت العودة السريعة لها مجموعة دلالات تؤكد أن القانون مفيهوش زينب، وأن من فات طريقه تاه، وهذا ما أكده سواق الميكروباص وقائد العربة الملاكى الذى عقلها وتوكل راجعا.
ضحك الرجل قائد الميكروباص وضحكنا طبعا وراءه، وهو عائدا يجر أزيال الخيبة وهو يصبر نفسه ويواسيها ويقول:
كوبرى كبير وقصير وواسع ليه ده كله!!
مفيش أحسن من «مقصات» الشوارع الجانبية والإشارات و الصعود على الرصيف الواحد مش عارف حيعيش إزاى على الكبارى دى انتهت الثرثرة فوق الكوبرى، وقد عقدت العزم على استخدام عربتى إذا كنت أريد الصعود فوق الكبارى والابتعاد عن مقصات الميكروباصات، وإذا أردت قراءة خريطة الغيب فى مرور القاهرة، اركب الميكروباص وثرثر.
 
 
 

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>