ابو سارة

تغيير حجم الخط

 

في طريقي إلى الإسكندرية بالسيارة انحرفت بها يمينا نحو محطة البنزين لأفاجأ بفتاة تسرع إلىّ وتسألني : كام لتر ؟ نظرت إليها فأحسّت بتعجبي .. وبعد أن ملأت السيارة وأعطيتها النقود أشرت إليها فجاءت بعدما أوقفت السيارة عند أحد جوانب المحطة ، وقبل أن أسألها بادرتني بقولها : متعجبا من عملي بالمحطة ؟ قلت لها : بالفعل ، فلأول مرة ألتقي بفتاة تعمل بمحطة بنزين .. فقالت : أنا أعمل هنا مكان والدي الذي ظل يعمل بالمحطة منذ إنشائها بعد أن ترك العمل بمحطة أخري بيعت أرضها في العباسية وقد ولدت مع بداية عمله هنا ، وقد أتى إلى القاهرة من المنيا صغيرا باحثا عن فرصة عمل وتنقل بين الحِرَف ليدلّه أحد أصدقائه إلى محطة البنزين ليعمل بها صبيا بالتعامل مع السيارات ؛ تارة في غسيلها وتارة أخرى في ملئها بالوقود وذلك حسب متطلبات العمل ، رغم بعد المسافة بين مسكننا في العباسية وأول طريق مصر إسكندرية الصحراوي الذي انتقل إليه والدي ليعمل في المحطة الجديدة إلا أنه كان مسرورا بقدومي إلى الحياة واعتبرني وش السعد عليه لأنه يوم ولادتي كان بدون عمل بعد أن بيعت أرض محطة العباسية وفي نفس اليوم جاءه خبر عودته للعمل في المحطة الجديدة  .. وأصبح أبو سارة – وهو الاسم الذي اشتهر به – وسارة هذه أنا ؛ ابنته الوحيدة .

 كان محبوبا بين زملائه في المحطة ، وكان يصطحبني معه في إجازات المدرسة ثم الجامعة حيث التحقت بكلية التجارة ، وقد تسلل المرض اللعين إلي جسده حتى أصبح غير قادر على العمل كما وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا ، وكان يذهب يوما ويغيب أياما ، فبادرت بالتحدث مع مدير المحطة بشأن أن أعمل بها مكان والدي ، فأشفق علىّ ، إلا أنه وافق مع إصراري وحبه لوالدي الذي كان سعيدا بالتحاقي بالعمل في البنزينة التي أفنى عمره فيها وأصبح مع الوقت لا يقدر على الحركة . قلت لها : أتدرين لماذا استوقفتك ؟ لأنك نموذج لوجه في الزحام وكذلك والدك ، فأيكما أختار ؟ قالت : والدي .                   

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>