ميكروباص الأغنياء

دينا ريان 9 ديسمبر 2018

تغيير حجم الخط

كنت أظنها تعاكسنى، معلق على إصرارى على ركوب الميكروباص.. وهى تقول - بافكر اركب ميكروباص مثلك!

لكن طبعا ميكروباص غير ميكروباصك!

قالتها والدة صديقتى وهى من هوانم المعادى!

ولدغة الراء فى كلماتها تؤكد ذلك وتعيدك إلى الزمن الجميل! وكأنها مرسلة من باريس، اكفينا الشر فى علبة!!

تركبى معايا الميكروباص، وقبل أن تسترسل فى اختيار الكلمات بحروف الراء، وافقت على طلبها بالركوب معى، حتى أريح دماغى من مزايدة الأغنياء وأثرياء الماضى الذين يذكروننى بفيلم «الأيدى الناعمة»، ونظام «رد قلبى»، وبكيزة هانم فى مسلسل «بكيزة وزغلول» أو مسلسل «هوانم جاردن سيتى».

ماشى يا تانت مرمر.. سوف أركب معك، أستناكى عند الموقف ونروح بولاق؟

سألتها بكل تلقائية! وإذ بها تنقلب بوجهها الأحمر إلى اللون الكركم! وشرار النار ينطلق من عينيها الخضراوتان، وكان ناقص تقول لى «خرسيس مرسيس حيوان ما يختشيش!»، وتساءلت إزاى عاوزانى أنا أركب معاكى ميكروباص عادى! وإن شا الله نروح به الزمالك! اسمه ميكروباص عادى بجنيه!

ويبدو أن تانت مرمر مازالت متوقفة عند الجنيه! بمعلوماتها فأردت التصحيح وقلت: لا يا تانت ده بقى باتنين جنيه ونص!

أووه نو.. إنت عاوزة تجننينى! أنا لا أركب مواصلات على الإطلاق، أردت فقط أن أداعبك فى مزاجك لركوب الميكروباص!

وأكملت أسنا سمعت عن ميكروباص الأوبر أو كريم! وتسعيرته 25 جنيها، وبالتأكيد نوعية ركابه ستكون أفضل!

بدأ الدم يغلى فى عروقى، لأنها مصممة على ركوب الميكروباص وليس أى واحد، إنما اللى طالع فى المقدر جديد وتذكرته بـ 25 جنيه، وقرب قرب قرب فى مزايدة ميكروباص الذوات!

وتحت إلحاحها وافقت وركبنا الميكروباص «الشيك» أبو تذكرة غالية جدا فوق مستوى البسطاء، لكنه فى مستوى الطبقة التى كانت وسطى وانحطت بفعل الزمن من أبناء الموظفين الكبار والمهندسين والدكاترة الذين رقصوا على السلالم.

طاوعتها وبدأت أتعاطى مع بسلامته «ميكروباص الأغياء» كما يسمونه.

وعلى غير عادة الميكروباصات والمنادى والزحام، لقد جاء فى محطة تشبه المحطات الكبرى وتمهل قليلا، ووقف دون إعلان عن نفسه مثل الآخر، عندما ينادي «بولا بولاق بولاق»، إنما همست صاحبة الفكرة وهى تدفعنا على الدفع 25 لحلوحا ونهرتنا حتى نتحرك قبل أن يداعبنا الليل، وبسكون وهدوء وترقب وقلق دفعنا ونحن نركب الميكروباص «السينييه» الـ 25 جنيها، وجلسنا فى المقدمة، أنا وتانت مرمر، وإذا بالبيه السواق يرش معطر فى الجو، ثم يتحدث فى «المايك»، وكان ناقص يحضر مرشد سياحى لتلطيف الجو، ومجموعة من موظفى البنوك أو موظفى القرية الذكية، وقلة من الدكاترة! نظرت إلى السماء ثم الأرض وأخذت أترحم على أيام المتعة والشقاء فى ميكروباص الغلابة، ونظام بولاق بولاق بولاق، واقطع للغلابة وأنفاس البخور تتدفق من المكان! وخناقات الفكة على الجنيه والنص جنيه، وحواديت السعى وراء لقمة العيش والشكوى للشكوى، والضحكة والقفشة والسخرية، أما الآن الكل  جالس صم بكم، عيونهم فى شاشة الآى فون والسماعات فى أذانهم، وادفع الربعمائة جنيه، كله يدفع فى توقيت واحد، سكتم بكتم، أردت مشاغبة الجلوس الذاهبين إلى الجامعة، وصرخت: بولاق بولاق بولاق بولاق، وإذا بتانت مرمر ومعها مجموعة شباب النزول، تتشبث فى المقاعد وهات يا ذم وشكوى!!

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>