رُخصة قِيادَة العربية

أحمد البرى 15 نوفمبر 2018

تغيير حجم الخط

تلقيت فى بريدى هذا الأسبوع الرسالة التالية:

ـ أحمد محمد الدماطى - محاضر جامعى بالإمارات: لولم يُعْلِنْ ذاك الشابُّ في مداخَلَتِهَ - بالمؤتمر الدولي السادس للغة العربية الذي انعقد في دُبي، مايو 2017م- أنَّه رُوسِيٌّ لَحَسِبْتُه عَرَبِيَّا، كانَ أكْثَرَ غَيْرَةً على العَرَبِيَّةِ مِنْ كَثيرٍ مِنَ العَرَبِ. أوجَعَنِي كَثيرًا، وأوجَعَ كُلَّ مهمومٍ بِلُغَتِه، حينَ قال: إنَّني أُعَلِّمُ طلابي العربيَّةَ في روسيا، وحين يُسافِرونَ إلى البلادِ العربِيَّة لا يَجِدُون العربِيَّةَ التي تعلموها، بل يجدون هجينًا لُغويًا، أو يجدونَ لُغاتٍ أجنبيَّة ليسَ مِنْ بَيْنِها العربِيَّة للأسَفِ.. كان حُزْنُه صادِقًا، وعَبَّرتْ كلماتُه - التي اقْتَنَصَتْ تَصفيقًا حارًا- عَنْ كثيرٍ من الإجرامِ الذي نرتَكِبُه في حقِّ لغتنا التي لم نَبذْل لها النُّصْرَة الحقيقةَ بها- وإن تَكفَّلَ الله بِحِفْظِها - فلماذا نَخذُل لُغَتَنا تَحدُّثُا وكِتابَةً؟!\

 

اُنظروا إلى لافتات المحالّ التي تغصّ بها شوارِعُنا، أغلبُها أجنبيةَ اللفظ والمعنى، فأينَ تطبيقُ القوانين التي تفرضُ أن يكون للعربيَّةِ حضورٌ في تلك اللافتات، وألا تُكتَبَ بحجم أقلّ من حجم نظيرتها الأجنبيَّة؟ ولمَ لا تفرض الحكومة غراماتٍ على المخالفين، ضمانًا لتحقيق الأمن اللغويّ والسلامة؟، ولمَ لا تضع الحكومة شرطًا بالحصول على "رخصة لغويَّة معتمدة" لأولئكَ المشتغلين بالإعلامِ؟ فيجنّبنا كثيرًا من "العاهات" غير المُؤهّلة، التي تؤثِّر سلبًا على النشء خاصةً، والمستمعين والمشاهدين عامة، بإفسادِ الذائقةِ اللغويَّة، فلا تنتجُ ألسنتهم تركيبًا سليمًا، ولا تُقيمُ حناجرهم مخرجًا صحيحًا للحرف العربي أو صِفَة.

 

إنَّ الجنسية العربِيَّةَ ينبغي ألا يتمتَّع بها إلا مَنْ يحرص على لُغَتِه ويحتَرِم قواعدها، وقد أحَسن مصطفى صادِق الرافعي حين قال : "إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً".

 

فإذا كانتْ مخالفة قواعد المرور توجبُ على مرتَكِبها العُقوبة، بل تُضيفُ إليه نِقاطًا سُودًا إنْ تكاثرتْ وزادتْ عن الحَدِّ المسموح به، تُنْزَع مِنه رُخصة القِيادة، فإنَّه من الأحْرَى أن يُحاسَبَ أهل العرَبِيَّة- خاصةً من هم في مواقع التأثير العام- على استعمالاتِهم اللغويَّة الخاطئة، وعلى جرائمهم في حقِّ قواعِدها، وأنْ تُضافَ لأولئكَ الجانحين نِقاطٌ سُودٌ تحذيريَّة، إن تَعاظَمتْ، تُنْزَع مِنه الجِنسيَّة اللغويَّةُ العربِيَّة!

 

إنني أدعو ولاة أمر اللغة العربية وسَدَنَتِها إلى اِبتداعِ عقوبة "الجُنحة اللُّغويَّة المباشرة" وتفعيلها بمحاكمةِ مرتكبيها، وإعادة تأهيلهم في " إصلاحيَّة لُغويَّة" إنْ رغبوا في ممارسة شأنٍ عام يتعلَّق بالأداء اللغوي.

 

وما أحرَى أن تُكافِئ العربيةُ مثل هذا الرُّوسِيّ موطنًا، بمنح جنسيتها له، فقد كان بارًّا بالعربِيَّة أكثر من بعضِ أهلها.

 

أيُّها المسئولون عن السياسة اللغوية والتخطيطِ اللغوي في بلادِنا، كما يُحتَفَلُ بِرُخصةِ قيادةِ السيارة، هلا احتفلتُم بِرُخْصَةِ قِيادَةِ العَرَبِيَّة؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

عقدت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضى اجتماعا تشاوريا لمنطقة شرق المتوسط فى عمان بالأردن لبحث الحلول العاجلة لمشكلة حوادث الطرق والتى يكون ضحيتها 1,2 مليون نسمة سنويا على مستوى العالم بالأضافة الى مابين 20 الى 50 مليون اصابة وعاهة مزمنة .. ويمثل المراهقون والشباب نسبة كبيرة من هؤلاء الضحايا .. وللأسف فإن الإحصائيات تشير الى أن اقليم شرق المتوسط والذى يضم الدول العربية بالإضافة الى باكستان وأفغانستان وايران هو ثانى اعلى معدل لحوادث الطرق .. على مستوى الأقاليم فى العالم ..

 

من هنا اهتمت كافة وكالات الأمم المتحدة بهذا الأمر وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ابريل 2018 استراتيجية للعمل السريع لتحقيق السلامة على الطرق.

 

وقد مثل مصر فى هذا الإجتماع .. وفدا من الخبراء من البرلمانيين ووزارة الصحة والجمعيات الأهلية وصحة المراهقين .. وعرض الوفد مرئياته فى حجم المشكلة فى مصر وأبعادها .. وشارك فى مجموعات العمل للخروج بتوصيات لبرامج عمل عاجلة وفعالة ..

وكما يحدث فى كافة التجمعات العلمية .. فإن أحاديث الكواليس يكون أكثر واقعيا .. ولعله أجدى واكثر نفعا مما يقال فى الجلسات العلمية .. ومما قيل فى هذه الأحاديث أن أهم عائق تواجه جهود الحد من نزيف الأرواح ونزيف النفقات الناجمة عن الإصابات فى مصر .. هو عدم وجود كيان تنفيذى مسئول يتولى تنسيق الجهود ووضع الخطط ومتابعة العمل .. فالمشكلة توزع دمها بين القبائل كما قيل .. ولابد من وجود مثل هذا الكيان .. ولعله يكون من الشباب الذى له رغبة فى الإنجاز والنجاح ولديه فكر متطور وواقعى ..

 

وتشير أحاديث الكواليس أيضا الى أن الأرقام والإحصائيات عن حوادث الطريق فى مصر ليست متناسقة أو دقيقة أو كافية .. فبينما تقول الإحصائيات فى المصادر العالمية أن الوفيات السنوية فى مصر نتيجة حوادث الطريق تبلغ 12000 حالة سنويا .. نرى أن الأرقام المعلنة فى مصر تشير الى وجود 3750 حالة فقط .. ولابد من تحليل هذه الأرقام حتى يمكن التوصل الى أولويات العمل ..

 

واتفقت الآراء كذلك الى أن الطرق ليست آمنة تماما فى مصر سواء للمركبات أو للمشاة .. فليس من المعقول أن أغلب الطرق ليس بها خطوط ارشادية سواء لتحديد الحارات أو لتحديد جوانب الطرق .. وهذه الخطوط قد تكون الدليل الوحيد للسائق فى الظلام .. ووجود المطبات .. وبعضها قد تكون كالجبال ..والتى توضع فى عرض الطريق بدون تحذير أو تنبيه .. فهى سبب فى الكثير من الحوادث والتلفيات للسيارات .. وهذه المطبات لانجدها الا فى قليل من الدول الغير متقدمة .. كذلك لابد من متابعةسوء حالة الأسفلت فى بعض الطرق .. والتى من السهل جدا رصفها وبتكلفة زهيدة ..

 

أما عبور الطرق فى مصر من قبل المشاة فهو مغامرة ..وأصبحت قصة يتندر بها الأجانب الذين زاروا مصر .. ولا أعتقد أن الكبارى العلوية مقبولة لدى المارة .. وهذا شىء طبيعى .. فهناك الكثير ممن لايريد أو لايستطيع أن يصعد ثلاثة ادوار ليستخدم الكوبرى ..

 

ومن الأمور التى قد تساعد كثيرا فى الحد من كوارث الطرق هو أن نراجع اجراءات الفحص الفنى .. فكثيرا لا يكون هناك فحص .. وان كان فأنه غير فنى .. لذلك نجد السيارات تسير فى الطرق السريعة وليس بها أى اضاءة .. وتتم المصادمات وتسيل الدماء.. أو تسير وكاوتش الإطارات متهالك .. وتنفجر أثناء السير .. ونفقد الأرواح .. ويجب أيضا أن نراجع اجراءات اصدار رخص القيادة الجديدة بما يضمن أن يكون كل من له رخصة قيادة لدية من الكفاءة والمهارات التى تأهله فعلا للقيادة .. ولابد من التزام راكبى الموتوسيكلات والدراجات بأرتداء خوذة الرأس .. ولا يسمح بغير ذلك .. واذا قيل أنها مكلفة .. فالذى يدفع ثمن الموتوسيكل يستطيع أن يدفع ثمن الخوذه .. ويجب أن يعلم أن حوادث الموتوسيكلات بدون خوذة تؤدى الى الوفاة بنسبة 80 فى المائة .. وكل بلاد العالم .. غنية أو فقيرة تطبق لبس الخوذة بكل صرامة .. وتطول الأحاديث بين الكواليس .. ولا هدف لهاالا ضمان سلامة المواطن المصرى وهو يتنقل على أراضيها المباركة .

د. ممدوح وهبه

رئيس الجمعية لصحة الأسرة

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>