شعلة النجاة !

أحمـد البرى 26 اغسطس 2017

تغيير حجم الخط

بعد حادث قطار منطقة خورشيد حان الوقت لمواجهة ظاهرة حوادث القطارات بشكل علمي، وطريقة مدروسة بطرح أفكار تسهم فى مواجهة مثل تلك الحوادث ومنها ما يلي:ـ

يقول د. أحمد عبدالتواب شرف الدين ـ قسم اللغة الإنجليزية ـ آداب المنوفية: علينا ملاحظة الآتى:

أولا: تحتاج منظومة السكة الحديد، إلى تطوير متكامل، يشمل جميع الوحدات، والقطارات، ويقتضى ذلك دخول القطاع الخاص، فى إدارة وتشغيل هذا المرفق الحيوى المهم، والسماح له بتكوين شركات للنقل عبر خطوط السكك الحديدية تستطيع من خلال تنافسها رفع مستوى الخدمة، وتقليل التكلفة على الحكومة بإلزامها بصيانة الخطوط، وأيضا السماح لتلك الشركات باستحداث خطوط جديدة تضمن زيادة طول شبكة السكة الحديد فى مصر، والوصول إلى مدن أكثر، وأيضا اكتفاء الدولة بالعدد الأقل من القطارات فى الخدمة «اقتصادية» بالمقارنة بالقطاع الخاص، والذى سيلتزم بتخفيض الأسعار للركاب للتنافس عليهم، ونلاحظ أن معظم دول العالم لا تتحمل فيها الموازنة العامة تكلفة إدارة وصيانة وتشغيل مرفق نقل كامل، فدخول القطاع الخاص لا يعنى رفع سعر التذكرة، وإنما يمكن استغلال جميع مميزات الهيئة من أراض ومحطات ومرافق.
ثانيا: علينا الاعتراف بأن معظم العمالة غير مدربة، ولا تعلم كيفية إدارة الأزمات أو التعامل مع المشكلات، بدليل أن سائق القطار وتابعه قفزا من القطار قبل الاصطدام، كما أذيع فى الوسائل الإعلامية، ولهذا فإنه من المهم لمواجهة مثل هذه الحوادث أن تكون هناك خطة تشمل تفعيل تدريب العاملين فى تشغيل القطارات سواء عمال أو مهندسين، لأن الواقع يكشف أن الهيئة لا تعطى سوى دورات تسمى «دورات تذكيرية» لسائقى القطارات كل عامين، ومراقبى الأبراج والتشغيل ونظار المحطات وخفراء المزلقانات كل عام، وهى دورات روتينية، يختلف كثيرون من العاملين عنها، ولا تضيف جديدا للعامل لأنها تعتمد فقط على تذكيره بلائحة التشغيل بالسكة الحديد التى يعمل بها العامل منذ تعيينه بالهيئة، ولا تضيف إليه أى شيء، ولا تنمى قدراته، أما المهندسون فلا يحصلون على أى تدريب منذ تعيينهم بالهيئة، إلا من خلال رؤساء القطاعات عندما ترى أن هذا المهندس يحتاج لدورة تدريبية، ونتيجة ذلك الواقع العشوائى قد يمضى أكثر من 5سنوات على مهندس شاب دون أن يحصل على دورة تدريبية واحدة، وهنا لابد للهيئة أن يكون لديها التخطيط الاستراتيجى اللازم لتحقيق رؤية شاملة من خلال بناء منظومة كاملة، وتجديد البنية التحتية بهيكلة النظام الإدارى والإحلال والتجديد للقطع المتهالكة وصيانتها، وكذلك تجهيز الورش وتزويدها بخبراء فى الصيانة.
ثالثا: لماذا لا تفكر السكة الحديد فى الاستعانة فى دوراتها بالخبرات بالهيئة سواء من المسئولين الحاليين أو العاملين ذوى الكفاءة, أو ممن تمت احالتهم للمعاش، ويمكن تدعيم هذه الدورات بالخبرات المصرية فى مجال إدارة السكة الحديد سواء من المصريين أو الأجانب.
رابعا: ألا تكون الترقيات مرتبطة بالأقدمية، ولكن بالكفاءة، وأن يتم تصعيد الكفاءات من الشباب، وأن يكون اختيار القيادات العليا من أصحاب الكفاءات الفعلية، وليس اختيارا معتمدا على الثقة والعلاقات الشخصية، بجانب التحقيق الفعلى فى كل حادثة، ومحاسبة المسئولين عنها، بحيث يكون العقاب رادعا، بالإضافة إلى تواصل القيادات مع العاملين وتهيئة أجواء العمل لهم، والقيام بجولات تفتيشية مفاجئة للتأكد من مدى الالتزام من العاملين وإصلاح الأخطاء بشكل عاجل.
خامسا: العمل على تطوير منظومة المزلقانات فى مصر بأحدث التكنولوجيا العصرية والأقمار الصناعية التى تضمن سلامة سير هذه القطارات، وتأمينها ورفع معدلات الأمان لها، كذلك فإن استخدام التكنولوجيا الحديثة ستوفر معلومات لمستخدمى الخدمة داخل القطارات، بالإضافة إلى تطوير عدد من الخدمات فى مقصورة الركاب للارتقاء بها للمستويات العالمية، على أن يكون كل ذلك بديلا عن النظام الميكانيكى اليدوى المستخدم حاليا، ومن المهم تشكيل لجان لدراسة أسباب حوادث السكك الحديدية، وهذه اللجان لابد أن تكون محايدة بعيدة عن هيئة السكك الحديدية، وتظهر بكل أمانة القصور الذى يؤدى إلى هذه الكارثة.


ويقول مجدى حلمى ميخائيل ـ النادى الدبلوماسى المصرى:كانت معظم الحرائق من مستصغر الشرر، فإن معظم الحوادث من مستصغر الخطأ الذى قد يكون، نتيجة للإهمال والاستهتار واللامبالاة، فلم تكفنا الدماء التى تسيل على الأسفلت نتيجة لحوادث السيارات، وتسيل على النيل نتيجة لغرق العبارات، فنجد دماء تسيل على القضبان، فى حوادث متكررة، فكم كانت مؤلمة كارثة صدام قطارى السكك الحديدية بالإسكندرية، والتى راح ضحيتها 42قتيلا، ولا أدرى كيف يقف قطار به عطل لمدة تزيد عن نصف الساعة على خط سكك حديدية تعمل عليه قطارات أخري، ولم يكلف أحد من قادة القطار نفسه بالإبلاغ عن العطل، وسحب القطار، أو يستخدم وضع إشارات القضبان لتحذير القادم من الخلف وإيقافه، وهناك وسائل استغاثة كثيرة، وأقربها الهواتف المحمولة، إذا كانت وسائل الاستغاثة عاطلة فى هذا المرفق المهم!!.
وأذكر واقعة حدثت فى النصف الثانى من القرن الماضي، إذ تعطل قطار أمام إحدى القرى على خط الصعيد ليلا، وكان القطار الآخر القادم من الخلف «الأكسبريس» قد غادر القاهرة فى طريقه إلى أسوان، وتبقى على وصوله لهذه القرية نحو ساعة، فقام عامل التحويلة، الذى ليس لديه أى وسيلة اتصال، بخلع جلبابه الوحيد، ولفه على عصا طويلة، وسكب عليه كيروسين وأشعله، ثم أخذ يجرى على القضبان رافعا هذه الشعلة فى محاولة لملاقاة القطار ـ الاكسبريس ـ المقبل من القاهرة وإيقافه، وبالفعل استطاع أن يلفت نظر سائق الأكسبريس، وتم إيقاف القطار، ومنع الكارثة المحققة، وأنقذ العشرات بل المئات من الأرواح، وقد كرمته الدولة على هذا العمل البطولي، وهذا نموذج للمواطن المصرى الأصيل، الذى لا يملك سوى جلبابه، فضحى به من أجل إنقاذ الآخرين... فماذا حدث لأبناء مصر؟ حتى نرى هذا الواقع الأليم فى أهم وأقدم مرفق لنقل الركاب بمصر، وأمام هذا المشهد المؤسف، أصبح من الضرورى الوقوف على أسباب هذا الحادث البشع بصراحة معلنة، من خلال التحقيقات، لتكون هذه نقطة البداية للإصلاح الشامل، وينبغى أن نتنبه لما يحاك لنا، فسواء كان هذا الحادث متعمدا، أو غير متعمد، فالنتيجة واحدة، وتبقى الخطورة فى سلوك العناصر البشرية العاملة التى تعد أكثر خطورة من العيوب والأعطال الفنية، إذ يجب التخلص منها، فلا جدوى من إنفاق المليارات من الأموال فى ظل وجود هذه العناصر المستهترة، إذا أردنا الإصلاح، وحماية الأرواح، والعمل على تفادى تكرار مثل هذه الحوادث.

ويتساءل: م. محمد خليل السيد: ما الذى يمنع بيع عشرات الآلاف من الأطنان من خردة السكة الحديد المنتشرة فى أنحاء الجمهورية بالمحطات، وبطول الطرق لإقامة «نظام التتبع» لسير القطارات، وتكلفته بسيطة إذا قورنت بثمن الخردة، علما بأن التتبع موجود فى شركات «أوبر» و «كريم» للنقل وسيارات رجال الأعمال، وهو فى السكك الحديدية أسهل وأيسر لأن طرقها ثابتة ومعروفة؟.


 

 

الأكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>