صناعة السيارات في مصر ضحية الفكر المحلي (2)

م. احمد سرور: 12 اغسطس 2016

تغيير حجم الخط

قبل أن نتطرق إلي بعض  الأفكار الاجتهادية  التي قد تقود إلي بعض حلول للنهوض بصناعة السيارات  في مصر  يجب أولا الإجابة علي هذا السؤال....... من يحتاج من؟  بمعني أخر هل نحن الذي نحتاج هذه الصناعة في بلدنا؟ آم شركات صناعة السيارات العالمية هي التي تحتاجنا ؟ الإجابة تكمن ببساطة شديدة في ما فعلته المغرب بذكاء في هذا الملف (وهي أحدث دولة وضعت أسمها بقوة علي خارطة صناعة السيارات في العالم).

 

لقد منحت المغرب كل شركات السيارات العالمية إعفاء من الضرائب لمدة 25 سنة وأنشئت لهم بنية تحتية بما فيهاخطوط سكك حديد وفصلت لهم مناخ استثماري مرن وشفاف أفضل مما هو موجود في بلاد هذه الشركات نفسها.. كل ذلك لتحقيق هدفين أولا هو أن تربح هذه الشركات من وجود مصانعها في المغرب أكثر من وجودها في أي بلد أخر و ثانيا هو أن تصبح المغرب منصة إنتاجية تنطلق منها هذه الشركات في توسعاتها و زيادة حصتها في أسواق أوروبا وأفريقيا.

 

أنجزت المغرب كل هذا لتحقيق أهداف قومية وإستراتيجية  تعود علي اقتصادها بكل النفع علي المدي المتوسط والطويل..  و بالطبع حدث ذلك بعد أن قامت الجهة المسئولة هناك بالدراسات الواجبة المتأنية  ومعرفة تامة بالفرص الكامنة نتيجة التحديات التكنولوجية والاقتصادية التي تواجه صناعة السيارات العالم ..  وكانت علي علم مسبق  بالخطط التوسعية والإستثمارية لشركات صناعة السيارات ...  وهذا ما حدث مع تحالف رينو نيسان  ثم بعد ذلك مع مجموعة PSAبيجو ستروين التي دشنت مصنعها في مدينة القنيطرة العام الماضي والتي تطمح من خلاله في بيع مليون سيارة في أسواق أفريقيا والشرق الأوسط بحلول 2025 لتصبح المغرب قريبا منصة عالمية كبري لإنتاج السيارات منخفضة التكلفة والمعروفة باسم Budget Car.

 

 

الخلاصة هو أن نعترف إننا فشلنا في إدارة هذا الملف علي مدار أكثر من خمسون عاما..وإلا لماذا ذهبت الشركات العالمية لدول الأطراف ولم تأت الينا نحن ذو الموقع الاستراتيجي؟  والاعتراف بالفشل هو بداية طريق النجاح  لتحقيق الأمل... ويجب إن نعترف أيضا بأنه يوجد لدينا شح شديد في الكفاءات و الهيئات الاستشارية والبحثية المتخصصة والتي لديها الخبرة الكافية عن المنافسة في السوق العالمي والمخاطر التي تحف به ولديها أيضا انكشاف علي جميع الخطط التوسعية وتوجهات وسياسات الاستثمار المستقبلية لشركات قطاع صناعة السيارات والمكونات في السوق العالمي.

 

ونقر أيضا بأنه لا يوجد بيننا من يملك التقنية والقدرة علي المواكبة الزمنية للتغير والتطور التكنولوجي المتسارع لسلسلة القيمة المضافة لصناعة السيارات والمكونات... ولا يتوفر لدينا من له القدرة علي التجهيز والتخطيط لمواكبة تغلغل التقنيات الرقمية Internet Of Things&Digitizationفي صناعة السيارات والمكونات وما سينتج عنها منإختزال لبعض مراحل تصنيع في سلسلة القيمة المضافة لصناعة السيارات وبالتالي إلغاء إنتاج بعض المكونات ودخول مكونات جديدة  والاستغناء عن كثير من العمالة.

 

وقبل كل ذلك نحن في أمس الحاجة الي تلك العقليات الاقتصادية الفذة القادرة علي حياكة وابتكار حزم حوافز وتسهيلات للشركات العالمية تحقق لهم طموحاتهم التوسعية و الاستثمارية وتضمن لهم زيادة حصصهم السوقية من خلال تواجد مصانعهم في مصر وذلك لتحقيق هدفنا الأكبر من ذلك وهو توطين صناعة السيارات  في مصر ودعم وتحويل الاقتصاد المصري إلي اقتصاد معرفي متنوع.

 

 

 

 

حتي وقت قريب كانت هنالك قاعدة معروفه بين رواد صناعة السيارات في العالم وهي إن الإنتاج يلاحق الأسواق أي أبني المصنع في قلب السوق لكي تنتج ثم تبيع مباشرة لزياد ةسرعة دوران رأس المال ومن ثم زيادة الأرباح  وهذا ما حدث في أسواق ضخمة مثل الصين والهند والبرازيل والمكسيك. إما اليوم  فالمحرك الأساسي لكل شركات قطاع صناعة السيارت و المكونات في السوق العالمي أصبح يلاحق ثلاث محفزات اقتصادية وبيئية سواء كان عند إنتاج  السيارة أو إستخدامها  وهي :

 

 1- قلة التكلفة 2- توفير الوقت 3- الحد من التلوث .... (وبالطبع ليست علي حساب الجودة والامان والسلامة)

 

و استنادا الي هذه المحفزات الثلاثة ومن منطلق البدء من حيث إنتهي الاخرون وبعيدا عن الفكر التقليدي..

 

*لماذا لا يتم دعوة السيد إيلون ماسك وفريق إداره شركتي تسلا و باناسونيك لزيارة مصروتقديم كل التسهيلات والحوافز المطلوبة لهم بهدف إرساء لبنة لإنشاء مصنع   Gigafactoryفي مصر خلال السنوات القادمة وذلك لإنتاج بطاريات الليثيوم أيون (أهم مكون في السيارة الكهربائية) و إنتاج النظم  الذكية لتخزين الطاقة المتجددة   Wall &Power Pack Powerولتكن  إقامة هذا المصنع  في محور قناة السويس أو الصحراء الغربية أو سيناء وينشأ حول هذا المصنع توابعه من مراكز دراسة وتدريب وأبحاث ومصانع وشركات صغيرة ومتوسطة لتقوم بعمليات الخدمة والتوريد لهذا المصنع.

 

ولتصبح مصر مستقبلا المنصة الصناعية الوحيدة لهذه المنتجات الجديدة لتصديرها إلي أسواق الشرق الاوسط وأفريقيا وهذه الفكرة تتفق مع ما قاله إيلون ماسك  منذ أيام في يوم إفتتاح المرحلة الاولي لمصنع  Gigafactoryفي نيفادا وقال بالحرف(سوف نحتاج Gigafactoryفي كل قارة تتواجد فيها سيارات تسلا  الكهربائية ) . بل قال أري الهند هي المحطة القادمة لأول مصنع Gigafactoryخارج الولايات المتحدة...

 

 * لماذا لا نستعين بالمصريين العاملين بالخارج من خبراء وعلماء في قطاع صناعة السيارات والنقل في دول مثل كندا وأمريكا وأوروبا والإستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم مع الشركات العالمية والذين حققوا من خلالها نجاحات مشهود لها علي المستوي العالمي  منها علي سبيل المثال الدكتورة هدي المراغي عالمة الهندسة الميكانيكية و صناعة السيارات في كندا وهي أول سيدة تصبح عميد لكلية الهندسة في كندا وتم تعيينها مستشارة  لكثير من شركات السيارات العالمية و وزارة الدفاع  الكندية .

 

وهذه الفكرة طرحها الكاتب الكبير فاروق جويدة  في جريدة الأهرام بتاريخ 17 يونيو 2016  في مقال هام جداً عن ضرورة الاستعانة بالكفاءات المصرية  العاملة في الخارج وإشراكهم في وضع الخطط والإستراتيجيات والحلول لمشاكل وقضايا هامة للنهوض بالصناعة و الزراعة وتطويرالتعليم... وقد اسرد الكاتب الكبير  في هذا المقال حقائق عن ثروة مصر الخارجية الهائلة المتمثلة في المصريين العاملين في الخارج والتي قد لايعلم عنها الكثير من المصريين في بلدنا.

 

*لماذا لا يتم الاستفادة من الكيانات الصناعية الموجودة في مصر التي تنتج وتصدر المواد الاولية ولايستخدم انتاجها في صناعاتDownstream…مثل مصهر الألومنيوم  في نجع حمادي الذي ينتج حوالي 320 طن من الألومنيوم بانواعه المختلفة وذلك بدعوة شركات صناعة قطع السيارات من الألمونيوم ومنحهم كل التسهيلات والحوافز لتمثل لهم في النهاية Cost Advantageلإنشاء مصانع بجوار هذا المصهر لتصنيع مكونات هامة في السيارة مثل العجلات أو بلوكات المحرك و الجيربوكس أو قطع اخري كثيرة .. ومن المعروف عالمياً أن قطاع المواد الخفيفة والمواد المركبة وبخاصة الألومنيوم من القطاعات الواعدة والهامة جدا في صناعة السيارات والتي تدخل في صناعة كثير من المكونات بهدف  تخفيف  وزن السيارة لتقليل معدل إستهلاكها من الوقود وتقليل نسب الإنبعاثات .... فمن المتوقع أن يزداد الطلب بقوة عالمياً علي الالومنيوم بصورة مطردة في السنوات القادمة نتيجة زيادة نسبة قطع الالومنيوم الداخلة في صناعة السيارات  فمثلا في السوق الامريكي من المتوقع في عام 2025  أن تزداد نسبة مكون الألومنيوم في سيارات الركوب الي 60%   . ويعد تخفيف وزن السيارة هو أحدي الحلول الهامة والسهلة لتحسين نسب إقتصاديات الوقود  لإن كل 100 كيلو جرام يتم إنقاصها من وزن السيارة  يتم في المقابل توفير نصف لتر وقود في الاستهلاك لكل 100 كيلومتر والحد من التلوث بمقدار20 كيلوجرام من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون طيلة عمر السيارة .

 

والسبب الرئيسي الذي سيزيد من الطلب علي المكونات المصنوعة من المواد الخفيفة مثل الالومنيوم هو الضغوط  الموجودة علي شركات صناعة السيارات والناتجة من القيود والقوانين الصارمة التي تفرضها كثير من الحكومات علي هذه الشركات لإنتاج سيارات لا تتخطي انبعاثاتها آو معدلات استهلاك الوقود فيها الأرقام المحددة في هذه القوانين.  ففي  السوق الامريكية علي سبيل المثال يجب أن يصل معدل استهلاك الوقود في سيارات الركوب إلي 23 كيلو متر لكل لتر بحلول عام 2025 وهو المعدل التي حددته وكالة حماية البيئة الأمريكية  EPAلشركات السيارات في العالم والمعروف بإسم CAFÉوذلك حتي تتمكن هذه الشركات من إدخال سياراتها إلي السوق الأمريكي وإلا ستضطر لدفع رسوم باهظة جدا أوفقد جزء كبير من حصتها. ولعل ما حدث في فضيحة فولكسفاجن الاخيرة أكبر دليل علي مدي صرامة هذه القوانين.

 

 

*عدد السيارات التي تجوب شوارع مصر تزيد عن 8 مليون سيارة بمعدل Motorization Rate  يساوي 88 سيارة تقريبا لكل ألف شخص وهو معدل منخفض جدا و مرشح للزيادة بقوة إذا قورن بمتوسط معدلات دول العالم وهو 180 سيارة لكل ألف شخص ويوجد حوالي من2 الي 3 مليون سيارة ركوب تقريبا في مصر غير صالحة للإستخدام بل وتمثل خطورة كبيرة بسبب انعدام معايير السلامة والامان في هذه السيارات  بخلاف ما تسببه من تلوث وقائمة أخري طويلة من الأضرار التي تكلف المجتمع والحكومة المليارات سنويا.

 

لماذا لايتم دعوة  شركات صناعة السيارات الرائدة عالميا وشركات متخصصة في إعادة التدوير لكي تشاركنا مع الجهات المعنية  في كيفية وضع  خطط زمنية لإيجاد حلول وتشريعات وقوانين لإحلال وإستبدال هذه السيارات المتهالكة بسيارات اخري قليلة التكلفة وأقل تلوثا وأكثر أمانا وكل ذلك سوف يدعم السياحة أيضا  ... فأعداد هذه السيارات بمثابة كعكة دسمة قد تسعي شركات السيارات للحصول علي جزء كبير منها لزيادة حصتها السوقية.

 

وهنالك شركتان لهم باع طويل ومصانع قائمة الأن تنتج هذا النوع من السيارات  مثل مجموعة فولكسفاجن صاحبة الأثني عشر علامة ولها مصانع في الصين لإنتاج هذا النوع والثانية شركة نيسان التي أعادة إنتاج علامتها الشهيرة داتسون من خلال هذا النوع من السيارات في مصنع شيناي في الهند.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
>